بيغاسوس يعود في توقيت محسوب

 


من المستفيد من التشويش على التحالف الاستراتيجي المغربي الفرنسي؟


لم يكن اختيار يوم 16 يوليوز 2026 لإعادة فتح ملف «بيغاسوس» تفصيلًا زمنيًا عابرًا، كما لم يكن ما نُشر مجرد تحقيق صحافي منفرد ظهر مصادفة في إحدى الصحف. فقد أطلقت منظمة Forbidden Stories، في اليوم نفسه، عملية نشر متزامنة شاركت فيها صحيفة «لوموند» وأربع عشرة غرفة أخبار أخرى، من بينها مؤسسات إعلامية فرنسية ودولية وازنة، أعادت جميعها تقديم الاتهامات المتعلقة بالمغرب انطلاقًا من المادة المركزية نفسها، والمصدر المجهول نفسه، والمعطيات التقنية والوثائق ذاتها.


وهذا النشر الجماعي لا يعني أن خمس عشرة مؤسسة إعلامية أجرت خمس عشرة عملية تحقيق مستقلة وانتهت، كل واحدة منها على حدة، إلى النتيجة نفسها. فهو في جوهره عمل كونسورسيوم منسق، تتوزع داخله مهام البحث والتحرير والنشر، لكنه يستند إلى قاعدة مشتركة من المصادر والوثائق والخبرات. ولذلك فإن تعدد العناوين والمنابر لا يساوي بالضرورة تعدد الأدلة، بقدر ما يصنع ما يمكن تسميته تأثير الكتلة الإعلامية: يرى القارئ الاتهام يتكرر في عدد كبير من الصحف والإذاعات والمواقع في اللحظة نفسها، فيتهيأ له أنه أمام تقاطع مستقل لشهادات متعددة، بينما يتعلق الأمر في جانب كبير منه بتوزيع الرواية المركزية القديمة نفسها عبر قنوات مختلفة.../...


ولم يكن اختيار لحظة النشر أقل دلالة من تنسيق وسائله. ففي اليوم ذاته، كان رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو يوجد في الرباط على رأس وفد حكومي كبير للمشاركة في الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى والتوقيع على أربع عشرة اتفاقية شملت الاقتصاد والطاقة والأمن والدفاع والهجرة والطيران والتعليم والثقافة.


كانت الزيارة تؤسس لمرحلة تتجاوز مجرد استعادة الدفء الدبلوماسي بعد سنوات من التوتر؛ إذ اتجه البلدان نحو بناء شراكة استراتيجية ممتدة، تشمل التعاون العسكري والأمني، والاستثمار والصناعة، ومشروعات الطاقة المتجددة والربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا، مع التحضير لإطار سياسي أعمق قد تتوج به العلاقات الثنائية مستقبلًا.


وفي اللحظة التي كان فيها البلدان يقدمان هذه الاتفاقات باعتبارها تعبيرًا عن عودة الثقة وتطابق المصالح وتعزيز أواصر الصداقة، نُشرت الحملة الإعلامية لتضع أمام الرأي العام الفرنسي سؤالًا مضادًا شديد الحساسية:


ما جدوى إقامة شراكة استراتيجية، ولا سيما في الأمن والدفاع، مع دولة تُتهم بالتجسس على مواطنيها ومعارضيها، بل وعلى رئيس فرنسا ووزرائها وحلفائها؟


وهكذا لم تعد قضية «بيغاسوس» موضوعًا تقنيًا يتعلق ببرنامج اختراق إلكتروني فحسب، بل تحولت إلى أداة للتشكيك في مشروعية الزيارة نفسها، وفي حكمة الاتفاقات الموقعة خلالها، وفي سلامة القرار الفرنسي بإعادة بناء العلاقة مع المغرب ودعم موقفه في قضية الصحراء.


فالحملة، من خلال عناوينها وتوقيتها وتزامن نشرها، لم تقل فقط إن المغرب يُشتبه في استعماله برنامجًا للتجسس، بل أوحت ضمنًا بأن فرنسا تقيم تحالفًا مع دولة غير مأمونة، وأن الحكومة الفرنسية قد تكون مستعدة للتغاضي عن انتهاك سيادتها مقابل مصالح اقتصادية وأمنية، بل ذهبت بعض المعالجات إلى فتح باب الإيحاء بأن التحول الفرنسي في ملف الصحراء ربما لم يكن نتيجة مراجعة استراتيجية حرة، وإنما قد يكون متأثرًا بمعلومات جُمعت عبر التجسس أو بقدرة المغرب المفترضة على الضغط على صناع القرار الفرنسي.


ولا يستند هذا الإيحاء الخطير إلى وثيقة تثبت ابتزاز مسؤول فرنسي، ولا إلى معلومة سرية محددة أثرت في قرار الإليزيه، ولا إلى شهادة مسؤول قال إن موقف فرنسا تغير تحت الضغط. لكنه يحقق غرضًا سياسيًا واضحًا: نقل النقاش من أسباب التقارب الموضوعية — الأمن والطاقة وإفريقيا والاستثمار والاستقرار والمصالح المشتركة — إلى الشك في نزاهة القرار الفرنسي واستقلاله.


ومن هنا لا يمكن فصل مضمون الحملة عن هندسة نشرها. فحين تُختار أرفع لحظة في التقارب المغربي الفرنسي، وتُدفع الرواية نفسها في وقت واحد عبر شبكة واسعة من المؤسسات الإعلامية، وتُصاغ العناوين بطريقة تقابل بين الاتفاق الاستراتيجي واتهام التجسس، يصبح من المشروع الحديث عن حملة إعلامية منظمة للتأثير في الزيارة والتشويش على نتائجها، لا عن مجرد مصادفة جمعت بين حدث دبلوماسي وتحقيق صحافي.


غير أن وصف الحملة بأنها منظمة لا يعني تلقائيًا أنها موجهة من دولة أو جهاز استخباراتي؛ فالتنظيم ثابت من خلال طبيعة عمل الكونسورسيوم وتزامن النشر، أما الجهة التي ربما استفادت منه أو ساهمت في تغذيته فتحتاج إلى بحث مستقل وأدلة إضافية.


وهنا يبرز السؤالان اللذان يقوم عليهما هذا المقال:


هل قدمت الحملة الجديدة الدليل المباشر الذي ظل غائبًا منذ سنة 2021؟


ثم:


من المستفيد من إحياء الاتهام في اليوم نفسه الذي كان فيه المغرب وفرنسا يضعان أسس تحالف عسكري وطاقي واقتصادي قادر على إعادة تشكيل موازين القوة في المغرب العربي وشمال إفريقيا؟


لم يكن اختيار يوم 16 يوليوز 2026 لإعادة فتح ملف «بيغاسوس» تفصيلًا زمنيًا عابرًا. لأنه في اللحظة التي كان فيها البلدان يعلنان انتقال علاقتهما إلى مستوى جديد، أطلقت Forbidden Stories حملة إعلامية منسقة تعيد توجيه الأنظار نحو اتهام المغرب باستخدام برنامج «بيغاسوس» للتجسس على مسؤولين فرنسيين ومغاربة وأجانب.


وهنا لا يعود السؤال مقتصرًا على صحة الاتهام أو هشاشته التقنية، بل يمتد إلى سؤال لا يقل أهمية:


لماذا نُشرت الحملة في ذلك اليوم تحديدًا، ومن المستفيد من تحويل زيارة استراتيجية إلى مناسبة لإعادة زرع الشك بين الرباط وباريس؟



رواية أكثر تفصيلًا… في غياب الوثيقة الحاسمة


قدمت Forbidden Stories حملتها الجديدة بوصفها انتقالًا من الشبهة إلى اليقين. فقد أضافت إلى الملف شهادة شخص مجهول الهوية يحمل الاسم المستعار «سفير»، قالت إنه عنصر سابق داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، كما استعانت بوثائق ظهرت في النزاع القضائي الأمريكي بين WhatsApp وشركة NSO، وباسم رمزي هو«Morgan»، وبفرضية مرور البرنامج عبر وسيط إماراتي.


غير أن كثرة التفاصيل لا تعني بالضرورة اكتمال الدليل.


فبعد خمس سنوات من التحقيقات، لا تزال الحملة لا تنشر عقدًا يربط إدارة مغربية بشركة NSO، ولا فاتورة شراء، ولا ترخيص تصدير يحدد المستخدم النهائي، ولا تحويلًا ماليًا، ولا حساب زبون موثقًا، ولا سجلًا تشغيليًا يُسند هجومًا معينًا إلى موظف أو إدارة مغربية.


أما المصدر المسمى «سفير»، فقد أصبح محور الرواية كلها تقريبًا. فمن خلال شهادته يجري التعرف إلى الأشخاص، وتفسير الأرقام، وإعادة بناء مسار اقتناء البرنامج وتشغيله. لكن الجمهور لا يملك أي وسيلة مستقلة للتحقق من وجود هذا الشخص فعلًا، أو من صفته المهنية، أو مستوى مسؤوليته، أو طبيعة المعلومات التي كان مخولًا الاطلاع عليها.


صحيح أن حماية المصادر حق أساسي في الصحافة الاستقصائية، وقد تكون ضرورية لحماية سلامتها، لكن حماية هوية المصدر لا تعني إعفاء روايته من التحقق القضائي أو الفني. ومن الممكن الحفاظ على سريته أمام الجمهور، مع تمكين القضاء المختص من التثبت من شخصيته ومساره والوثائق التي يدعي امتلاكها، وهو ما لم يتم حتى الآن وفق الأصول.


أما الاسم الرمزي  «Morgan»، فجرى ربطه تعسفا بالمغرب أساسًا لأن الكلمتين تبدآن بالحرف نفسه M. وقد تصلح هذه المطابقة لإثارة فرضية تستوجب التحقيق، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد هوية دولة زبونة، ما لم تكن مصحوبة بوثيقة داخلية صادرة عن NSO تربط الاسم الرمزي صراحة بالمغرب.


وبالمثل، فإن إثبات إصابة هاتف ببرنامج بيغاسوس لا يحدد بصورة آلية الجهة التي أصدرت أمر الاختراق. فبين اكتشاف الأثر التقني وإسناده إلى دولة بعينها سلسلة طويلة من الإثباتات: حساب المستخدم، والبنية التشغيلية، وسجل العمليات، وهوية المشغل، وأمر الاستهداف، واستبعاد احتمال استخدام البرنامج من جهة أخرى.


تقول التحقيقات الجديدة إن آثارًا تقنية متشابهة وُجدت في هواتف معارضين مغاربة ومسؤولين فرنسيين، مستندة إلى تحليلات فنية وشهادات داخلية مزعومة. وهذه مجرد قرائن لا يجوز اعتمادها، لأنها لا تزال بحاجة إلى عرض أوسع على خبرة مستقلة وقضاء يتمتع بصلاحية المواجهة بين الأطراف.



القضاء لم يدن المغرب


من أكثر أوجه التضليل شيوعًا في ملف «بيغاسوس» تقديم رفض المحاكم الفرنسية لدعاوى ضد المغرب باعتبارها إثباتًا قضائيًا لصحة الاتهامات.


فالواقع أن القضاء الفرنسي لم يدخل في مناقشة جوهر الملف، ولم يفحص الأدلة التقنية ليقرر ما إذا كان المغرب قد اقتنى البرنامج أو استخدمه. وإنما اعتُبرت دعاوى التشهير غير مقبولة لأسباب قانونية تتعلق بحق الدولة الأجنبية في إقامة هذا النوع من الدعاوى.


وبذلك، لم يصدر حكم قضائي يثبت تورط المغرب، كما لم يصدر حكم موضوعي يثبت المزاعم بعد فحص الأدلة. الذي حدث هو أن جوهر الاتهام ظل خارج الحسم القضائي.


ولذلك لا يجوز تحويل الادعاء الإعلامي إلى حقيقة قضائية. الصياغة الوحيدة الدقيقة هي أن مسؤولية الدولة المغربية لم تثبت إلى اليوم بحكم قضائي نهائي مستند إلى وثائق تشغيلية أو تعاقدية مباشرة.



حين يصبح توقيت النشر جزءًا من الرسالة


لا يمكن تفسير حملة 16 يوليوز بمعزل عن الزيارة الفرنسية.


فـ Forbidden Stories لم تكتف بنشر مادة تقنية عن برنامج تجسس، بل ربطت الاتهامات مباشرة بوجود رئيس الحكومة الفرنسية في المغرب، وبالتقارب بين الرباط وباريس، وبموقف فرنسا من الصحراء.


وهكذا تحولت الحملة من تحقيق تقني إلى سؤال سياسي موجه إلى الدولة الفرنسية:


كيف توقع باريس اتفاقات أمنية ودفاعية مع بلد تتهمه وسائل إعلام بالتجسس على رئيسها ووزرائها؟


إنه سؤال مصمم لضرب العنصر الأكثر أهمية في العلاقات بين الدول: الثقة السيادية.


فالحديث عن التعاون العسكري والاستخباراتي، وعن مشروعات الطاقة والبنية التحتية، وعن بناء معاهدة استراتيجية طويلة المدى، يحتاج إلى قدر كبير من الثقة السياسية والأمنية. ومن ثم، فإن إعادة اتهام المغرب بالتجسس على أعلى مسؤولي الدولة الفرنسية تستهدف قلب هذه الشراكة، لا هامشها الحقوقي أو الإعلامي فقط.


واختيار يوم الزيارة يضمن أقصى أثر ممكن: إحراج الوفد الفرنسي، ودفع الإعلام إلى نقل مركز النقاش من الاتفاقيات إلى الاتهامات، وإثارة المعارضة داخل فرنسا، والتشكيك في دوافع التحول الفرنسي تجاه المغرب والصحراء.


ولهذا لا يمكن اعتبار التوقيت صدفة. إنه جزء من صناعة الرسالة الإعلامية ومن قوتها السياسية.



من المستفيد؟


لا يكفي في التحليل السياسي سؤال: من نشر؟ بل ينبغي أيضًا سؤال: من يستفيد موضوعيًا من النتائج؟


وهنا تظهر الجزائر بوصفها المتضرر الإقليمي الأكبر من الشراكة المغربية الفرنسية الجديدة، وبالتالي المستفيد الأكبر من أي حملة تنجح في إبطائها أو إرباكها.


ليس السبب مجرد الخصومة التقليدية بين البلدين أو الخلاف حول الصحراء، بل لأن الاتفاقات الجديدة تمس الركيزتين اللتين بنت عليهما الجزائر ثقلها الإقليمي: القوة العسكرية والطاقة.



المغرب قوة إقليمية بشبكة تحالفات جديدة


اعتمدت الجزائر طويلًا على حجم ميزانيتها العسكرية وترسانتها الثقيلة وعلاقتها التقليدية بروسيا لتقديم نفسها باعتبارها القوة العسكرية الأولى في المغرب العربي.


لكن المغرب يبني نموذجًا مختلفًا لا يقوم على الكم وحده، وإنما على التنويع والتكنولوجيا والاندماج في شبكات التحالف الغربية.


فالمغرب يطور تعاونه الدفاعي مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وبريطانيا وشركاء آسيويين، ويقتني منظومات استطلاع ودفاع جوي وطائرات من دون طيار وتقنيات اتصال وقيادة متقدمة، بالتوازي مع محاولات تأسيس صناعة دفاعية محلية في مجالات الصيانة والتجميع والعربات والطائرات المسيّرة.


وتكمن أهمية التعاون الفرنسي في أنه قد ينقل العلاقة من مجرد اقتناء أسلحة إلى شراكة تشمل التدريب، ونقل المعرفة، والصيانة، والتصنيع، والتشغيل المشترك، وتبادل المعلومات الأمنية.


وفي موازين القوة الحديثة، لا تُقاس القوة بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بنوعية التكنولوجيا، والقدرة على دمج المنظومات، وشبكات المعلومات والتحالفات الدولية التي تعمل الدولة من خلالها.


ومن هذه الزاوية، فإن تحول المغرب إلى شريك عسكري وأمني موثوق لفرنسا والولايات المتحدة ودول غربية أخرى يحد تدريجيًا من قيمة التفوق العددي الجزائري، ويعيد رسم التوازن الاستراتيجي في المنطقة بحيث يسقط بالضربة القاضية حلم الجزائر بالتحول إلى قوة إقليمية كبرى.



المغرب منافس في طاقة المستقبل


الركيزة الثانية للنفوذ الجزائري هي الطاقة.

تمتلك الجزائر احتياطيات مهمة من الغاز، وخطوطًا نحو أوروبا، واستفادت من أزمات الطاقة الأوروبية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية لتعزيز مكانتها بوصفها موردًا استراتيجيًا.


لكن الاتفاق المغربي الفرنسي بشأن دراسة الربط الكهربائي المباشر يحمل معنى يتجاوز مشروعًا تجاريًا معزولًا. فهو يقدم المغرب بوصفه مصدرًا مهما للكهرباء المتجددة، وشريكًا في الهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الكربون، وجسرًا للطاقة بين إفريقيا وأوروبا (أنبوب الغاز الأطلسي).


لن يعوض المغرب الغاز الجزائري في المدى القريب، ولا ينبغي المبالغة في تقدير مشروع لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ. لكن المنافسة الحقيقية ليست بين غاز جزائري قائم وكهرباء مغربية ستظهر غدًا، بل بين موقع الجزائر في طاقة الحاضر وموقع المغرب المحتمل في طاقة المستقبل المنظور.


فالاتحاد الأوروبي يتجه تدريجيًا إلى تخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري بسبب انبعاث الغازات، ما جعله يتجه إلى زيادة استخدام الكهرباء المتجددة والهيدروجين ومشتقاته. والمغرب، بما يتوفر عليه من موارد شمسية وريحية وموانئ وقرب جغرافي من أوروبا، يسعى إلى احتلال موقع متقدم في هذه السلاسل الجديدة. وتشير دراسات حديثة إلى إمكان بناء قطاع مغربي مهم للهيدروجين الموجه للاستهلاك المحلي والتصدير، مع بقاء تحديات التمويل والبنية التحتية والطلب الأوروبي.


ومن ثم، فإن نجاح الربط المباشر مع فرنسا لا يعني صفقة كهرباء فحسب، بل يعني إدماج المغرب تدريجيًا في الأمن الطاقي الأوروبي، وهو مجال اعتادت الجزائر اعتباره أحد أهم مصادر نفوذها.



سباق متزامن نحو ألمانيا


يزداد هذا التحليل دلالة عند النظر إلى زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لألمانيا في التوقيت نفسه تقريبًا.


فبينما كان الوفد الفرنسي يوقع اتفاقات الطاقة والاستثمار والأمن في الرباط، كان تبون في برلين يبحث التعاون الاقتصادي والطاقي، ولا سيما مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي الذي يفترض أن يربط الجزائر بألمانيا عبر إيطاليا.


هذا علما أنه يوجد مشروع طموح لاستيراد الكهرباء والهيدروجين الأخضر من المغرب إلى ألمانيا تعمل عليه شركات ألمانية كبرى باستثمارات ضخمة.


ولا يمكن الجزم بأن زيارة تبون رُتبت على عجل ردًا على زيارة الوفد الفرنسي، لأن الزيارات الرسمية تُحضّر مسبقًا. لكن التزامن يكشف صورة أوسع: تنافس مغربي جزائري مباشر على الموقع داخل الاستراتيجية الطاقية الأوروبية.


الجزائر تعرض الغاز والهيدروجين عبر ممرات المتوسط، بينما يحضر المغرب لتصدير الكهرباء المتجددة والهيدروجين والربط الأطلسي والصناعة الخضراء إلى أوروبا وخاصة فرنسا وألمانيا وإسبانيا.


وبذلك لم تعد المنافسة بين المغرب والجزائر محصورة في الصحراء أو النفوذ الدبلوماسي، بل انتقلت إلى سؤال: أي البلدين سيكون شريك أوروبا الأول في شمال إفريقيا خلال العقود المقبلة؟


ولا يمكن الجزم بأن زيارة تبون رُتبت على عجل ردًا على زيارة الوفد الفرنسي، لأن الزيارات الرسمية تُحضّر مسبقًا. لكن التزامن يكشف صورة أوسع: تنافس مغربي جزائري مباشر على الموقع داخل الاستراتيجية الطاقية الأوروبية.


الجزائر تعرض الغاز والهيدروجين عبر ممرات المتوسط، بينما يحضر المغرب لتصدير الكهرباء المتجددة والهيدروجين والربط الأطلسي والصناعة الخضراء إلى أوروبا عبر فرنسا وإسبانيا وألمانيا، بل وحتى بريطانيا أعلنت عزمها إعادة إحياء الربط الكهربائي الذي سبق وأن تخلت عنه بسبب كلفته الباهضة عبر فرع نفس الشركة البريطانيا في ألمانيا.


وبذلك لم تعد المنافسة محصورة في الصحراء أو النفوذ الدبلوماسي، بل انتقلت إلى سؤال: أي البلدين سيكون شريك أوروبا الأول في شمال إفريقيا خلال العقود المقبلة؟



الصحراء في قلب التحول


يمس التحالف المغربي الفرنسي الجزائر أيضًا في ملف الصحراء.


ففرنسا انتقلت من الحذر التقليدي إلى دعم واضح للسيادة المغربية ولمبادرة الحكم الذاتي أساسًا للحل، وربطت هذا الموقف بتوسيع التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع المغرب. وقد أكد رئيس الحكومة الفرنسية خلال زيارة يوليوز الأخيرة ثبات هذا التوجه.


وكلما تعمقت المصالح الفرنسية في الطاقة والأمن والصناعة والبنية التحتية المغربية، أصبح التراجع عن هذا الموقف أكثر صعوبة.


كما أن إدماج الأقاليم الجنوبية في مشروعات الموانئ والطاقة والربط الأطلسي والاستثمارات الأجنبية يحول الاعتراف بمغربية الصحراء من موقف دبلوماسي قابل للمراجعة إلى مصلحة اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد.


وهذا هو الخطر الأكبر بالنسبة إلى الجزائر والبوليساريو: ألا تخسر الجزائر تصويتًا أو تصريحًا فرنسيًا فقط، بل أن يتغير الواقع الذي يُدار النزاع داخله، بحيث تصبح الصحراء جزءًا وظيفيًا من شبكة المصالح الأوروبية الأطلسية للمغرب.



هل يعني ذلك أن الجزائر تقف خلف الحملة؟


لا دليل ملموس حول ذلك.


فالمصلحة ليست دليلًا على الفعل، والمستفيد ليس بالضرورة هو المخطط، لكن يمكن أن يكون الأداة.


للأمانة والموضوعية لا توجد، في المعطيات العلنية المتاحة حتى الآن، وثيقة تثبت أن الجزائر موّلت Forbidden Stories والحملة الإعلامية التي رافقت الزيارة الرسمية الفرنسية إلى المغرب، أو أنها قدمت لاتحاد الصحفيين المصدر المسمى «سفير»، أو اختارت موعد النشر، أو نسقت مع وسائل الإعلام المشاركة.


لكن غياب هذا الدليل لا يلغي حقيقة سياسية واضحة: الحملة خدمت موضوعيًا المصلحة الجزائرية، لأنها استهدفت الثقة المغربية الفرنسية في اللحظة التي كانت فيها هذه الثقة تتحول إلى اتفاقات عسكرية وطاقية واقتصادية قد تغير ميزان القوة الإقليمي.


ومن المشروع لذلك طرح الأسئلة الآتية:


من قدم المصدر الجديد إلى  Forbidden Stories؟


من ربط بينه وبين المؤسسة؟


هل توجد أطراف سياسية أو استخباراتية ساعدت في توجيه التحقيق؟


لماذا لم تُقدَّم شهادة المصدر ووثائقه، في إطار يحمي هويته، إلى القضاء الفرنسي أو الإسباني؟


ومن اختار يوم 16 يوليوز موعدًا لإطلاق حملة كان يمكن نشرها قبله أو بعده بأسابيع؟


هذه ليست اتهامات، بل أسئلة ضرورية لفهم العملية الإعلامية كاملة، لأن الصحافة الاستقصائية التي تطالب الدول بالشفافية لا يمكنها أن تطلب من الجمهور ثقة مطلقة في مصدر مجهول ورواية غير قابلة للمواجهة القضائية.



من التحقيق الصحافي إلى عملية التأثير


تظهر حملة «بيغاسوس» الجديدة كيف يمكن للتحقيق الصحافي أن يتحول إلى عملية تأثير سياسي، حتى عندما تكون بعض عناصره جديرة بالبحث.


فالتأثير لم ينتج عن وثيقة واحدة حاسمة، بل عن ثلاثة عناصر متكاملة:


أولها، بناء رواية افتراضية غنية بالتفاصيل والأسماء واللقطات التقنية، بما يمنحها مظهر اليقين لا اليقين.


وثانيها، نشر الرواية بصورة منسقة عبر عدد كبير من المؤسسات الإعلامية، بما يوحي بوجود مصادر متعددة مستقلة، مع أن كثيرًا من المواد يستند إلى المصدر المركزي وقاعدة البيانات والتحليل الفني نفسيهما.


وثالثها، اختيار لحظة سياسية شديدة الحساسية، بحيث يصبح الاتهام جزءًا من النقاش حول مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية.


وهنا ينبغي التذكير بأن عشر وسائل إعلام تنشر المادة نفسها لا تمثل بالضرورة عشرة أدلة مستقلة. فقوة الدليل تُقاس باستقلال مصادره وإمكان فحصها، لا بعدد المنابر التي تعيد نشره.



الخلاصة: الدليل غائب والمصلحة ظاهرة


بعد خمس سنوات، لم تقدم Forbidden Stories حتى الآن الوثيقة التي تحسم الجدل: عقدًا، أو فاتورة، أو ترخيص تصدير، أو حساب زبون، أو سجل عمليات يربط برنامج بيغاسوس مباشرة بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.


قدمت شهادة داخلية مزعومة، وتطابقات تقنية، وإسمًا رمزيًا، وفرضية وساطة إماراتية، ووثائق من سياقات مختلفة. وقد تشكل هذه العناصر حزمة قرائن تستحق التحقيق، لكنها لا تبرر تحويل الاتهام إلى حقيقة قضائية مكتملة.


أما توقيت الحملة، فلا يمكن النظر إليه بوصفه مصادفة بريئة. فقد جاء في اليوم الذي كان فيه المغرب وفرنسا يضعان أسس شراكة قادرة على إعادة توزيع النفوذ العسكري والطاقي والدبلوماسي في شمال إفريقيا.


والجزائر هي الطرف الإقليمي الأكثر تضررًا من هذا التحول؛ لأن صعود المغرب قوةً عسكرية متصلة بالمنظومة الغربية، ومصدرًا محتملًا للطاقة الخضراء نحو أوروبا، وشريكًا مركزيًا لفرنسا في إفريقيا والأطلسي، يمس مباشرة الركائز التقليدية للمشروع الإقليمي الجزائري.


لذلك يمكن القول إن الحملة خدمت المصلحة الدعائية الجزائرية بوضوح، لكن لا يمكن، في غياب الدليل، الجزم بأن الجزائر قد استفادت منها.


غير أن السؤال سيظل قائمًا:


هل يمكن فصل إحياء ملف بيغاسوس في هذا التوقيت عن الصراع الجاري لإعادة تشكيل موازين القوة في المغرب العربي وشمال إفريقيا؟


يصعب ذلك.


فكلما ازداد الملف ضعفًا من حيث الدليل المباشر، ازداد وضوحًا من حيث الوظيفة السياسية: وضع التحالف المغربي الفرنسي تحت الشبهة، وضرب الثقة التي يقوم عليها التعاون العسكري والطاقي، والتشكيك في حرية القرار الفرنسي بشأن الصحراء.


وبذلك، لا تبدو حملة يوليوز 2026 نهايةً لملف بيغاسوس، بل محاولة جديدة لاستعمال اتهام لم يحسمه القضاء من أجل التأثير في شراكة استراتيجية بدأت تتجاوز الإعلام إلى إعادة تشكيل الواقع الإقليمي نفسه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق