الأنبوب الأطلسي يسحب البساط من الجزائر

 

المغرب يبني ممر الطاقة القاري الذي تعجز الجغرافيا الجزائرية عن احتكاره


تمهيد

لم تمضِ سوى أيام قليلة على زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين، وسعي الجزائر إلى تقديم نفسها شريكًا طاقيًا محوريًا لألمانيا وأوروبا، حتى جاء الرد من الضفة الأطلسية لإفريقيا.


ففي التاسع عشر من يوليوز 2026، احتضنت فريتاون، عاصمة سيراليون، القمة التاسعة والستين لرؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في سياق إقليمي اتجه نحو تثبيت مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بوصفه مشروعًا جماعيًا للتكامل الطاقي، لا مجرد اتفاق ثنائي بين المغرب ونيجيريا.../...


وهذه النقلة هي جوهر التحول.


فالأنبوب الذي بدأ سنة 2016 فكرة استراتيجية أطلقها الملك محمد السادس والرئيس النيجيري آنذاك محمد بخاري، لم يعد مجرد مشروع مغربي نيجيري يواجه الشكوك والأسئلة المتعلقة بالكلفة والتمويل والمسافة والجدوى. لقد أصبح تدريجيًا مشروعًا إقليميًا تتبناه دول غرب إفريقيا، وتدخله مؤسساتها في صلب رؤيتها للطاقة والتنمية والاندماج الاقتصادي.


وبذلك لم يعد السؤال: هل يمكن بناء الأنبوب؟


بل أصبح: 


متى يبدأ الانتقال من الترتيبات القانونية والهندسية إلى القرار الاستثماري والتنفيذ؟



من مشروع ثنائي إلى ممر إفريقي

تكمن أهمية التطور الأخير في أن المشروع لم يعد محصورًا في رغبة الرباط وأبوجا، بل صار جزءًا من البنية السياسية والمؤسساتية لـ «إيكواس».


وكان وزراء الطاقة والمحروقات في دول المجموعة، بمشاركة المغرب وموريتانيا، قد اعتمدوا في نوفمبر 2024 الاتفاق الحكومي الدولي واتفاق الدولة المضيفة، كما وحدوا اسم المشروع تحت تسمية «أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي». وأكدت المجموعة أن المشروع موجه لربط نيجيريا بالمغرب، وتزويد دول غرب إفريقيا وموريتانيا، مع إمكان التمدد نحو أوروبا.


هذا التفصيل بالغ الأهمية.


فالمشروع لم يعد خطًا يمر بمحاذاة سواحل الدول من دون أثر داخلي، بل شبكة طاقية واسعة يفترض أن تربط الدول الساحلية، مع وصلات نحو الدول الحبيسة في منطقة الساحل.


وتشير المعطيات الرسمية لـ «إيكواس» إلى شبكة يبلغ طولها نحو 6800 كيلومتر، منها قرابة 5100 كيلومتر بحريًا، تمتد من نيجيريا إلى المغرب مرورًا بالدول الأطلسية في غرب إفريقيا، مع إمكان تزويد بوركينا فاسو ومالي والنيجر عبر وصلات فرعية. كما قدرت الكلفة السابقة للمشروع بنحو 26 مليار دولار.


وعليه، فإن الحديث عن «أنبوب» قد يصبح مضللًا إذا أوحى بخط بسيط لنقل الغاز من نقطة إلى أخرى.


نحن أمام:


شبكة للتزويد الكهربائي؛

وبنية للصناعة والأسمدة والبتروكيماويات؛

ومشروع لربط الأسواق؛

وممر للتصدير؛

وآلية عملية لإعادة تشكيل العلاقات بين غرب إفريقيا وأوروبا.



لماذا يشكل هذا التطور إحراجًا للجزائر؟

تستند القوة الطاقية الجزائرية تقليديًا إلى ثلاثة عناصر:


أولها الاحتياطات والإنتاج.


وثانيها القرب الجغرافي من أوروبا.


وثالثها البنية التحتية القائمة التي تربط الحقول الجزائرية بإيطاليا وإسبانيا.


لكن الجزائر ارتكبت خلال السنوات الأخيرة خطأ استراتيجيًا حين استخدمت الغاز داخل خصوماتها السياسية، ولا سيما بعد قرارها عدم تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي في أكتوبر 2021، ما أدى إلى وقف مرور الغاز الجزائري نحو إسبانيا عبر المغرب.


كان القرار يستهدف الرباط، لكنه بعث إلى أوروبا برسالة مقلقة: أن بعض الممرات الجزائرية قد تخضع للاعتبارات السياسية، وأن عقود الطاقة يمكن أن تتأثر بصراعات لا علاقة للمستهلك الأوروبي بها.


أما المغرب فاتخذ المسار المعاكس.


بدل إغلاق الأنابيب، شرع في بناء ممر جديد.


وبدل استخدام الجغرافيا لتعطيل التدفقات، يسعى إلى استخدامها لتوسيعها.


وبدل تقديم المشروع باعتباره أداة في مواجهة دولة بعينها، عرضه باعتباره بنية مشتركة تخدم دولًا متعددة، وتربط إنتاجها وأسواقها ومصالحها.


وهنا يظهر الفرق بين منطقين:


الجزائر تعتمد على الغاز الموجود تحت الأرض.


والمغرب يبني النفوذ فوق الأرض وفي البحر، عبر الموانئ والطرق والأنابيب والاستثمارات والمؤسسات والربط بين الأسواق.



زيارة تبون إلى ألمانيا: شراكة مهمة ولكنها غير مكتملة

سعت الجزائر، خلال زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا في يوليوز 2026، إلى رفع علاقتها مع برلين إلى مستوى شراكة استراتيجية، مع تركيز واضح على الطاقة والهيدروجين والاستثمار، وتقديم الجزائر بوصفها أحد المداخل المحتملة لتأمين جزء من حاجات الصناعة الألمانية والأوروبية المستقبلية.


وليست العلاقة الطاقية الألمانية الجزائرية جديدة؛ فقد أقام البلدان شراكة في مجال الطاقة منذ سنة 2015، ثم أنشآ في فبراير 2024 فريق عمل مشتركًا للهيدروجين، يتولى دعم الأطر التنظيمية الخاصة بإنتاج الهيدروجين الأخضر وتخزينه ونقله، وتشجيع الاستثمار الخاص المرتبط به. كما انضمت الجزائر، إلى جانب ألمانيا وإيطاليا والنمسا وتونس، إلى الإعلان السياسي الخاص بتطوير «ممر الجنوب للهيدروجين»، الذي يُفترض أن ينقل مستقبلًا الهيدروجين المتجدد من شمال إفريقيا نحو الأسواق الصناعية في إيطاليا والنمسا وألمانيا.


غير أن هذه الشراكة تواجه حدودًا جغرافية ولوجستية لا يمكن تجاهلها.


فالغاز أو الهيدروجين الجزائري لا يصل إلى ألمانيا عبر مسار ثنائي مباشر، بل يحتاج إلى المرور عبر تونس، ثم إيطاليا، ومنها إلى النمسا والشبكات الألمانية والأوروبية. ويتكون ممر الجنوب نفسه من مشروعات مترابطة تشرف عليها دول وشركات وبنى تنظيمية متعددة، ولا تملك الجزائر بمفردها قرارها أو بنيتها أو تمويلها.


أي أن الجزائر تملك أحد مصادر الإمداد المحتملة، لكنها لا تملك الممر كاملًا.


وإيطاليا ليست مجرد سوق نهائية، بل حلقة عبور مركزية.


وتونس دولة مرور ضرورية.


والنمسا عقدة توزيع نحو وسط أوروبا.


أما القوانين الأوروبية، والشبكات الداخلية، والاستثمارات العابرة للحدود، وعقود الشراء طويلة الأمد، فتمثل شروطًا حاسمة لتحويل الإعلان السياسي إلى تدفقات فعلية.


ولهذا فإن الشراكة الألمانية الجزائرية ليست محورًا ثنائيًا مستقلًا، بل جزء من منظومة متعددة الدول والمصالح، يمكن أن تمنح الجزائر منفذًا مهمًا إلى السوق الألمانية، لكنها لا تحولها إلى المزود الوحيد أو الشريك الطاقي الحصري لبرلين.


والأهم أن ألمانيا لا تضع رهاناتها كلها في المسار الجزائري، بل تعمل في الوقت نفسه على تنويع شركائها وممراتها، وفي مقدمتهم المغرب، الذي يرتبط معها بتعاون أقدم وأكثر تنوعًا في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والاستثمار المناخي.


ففي يونيو 2024، أنشأ البلدان «التحالف المغربي الألماني للمناخ والطاقة»، بهدف الارتقاء بالتعاون في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والاستثمار ونقل التكنولوجيا. وقد أكدت الحكومة الألمانية أن الموقع المغربي على الواجهة الأطلسية، وقربه من المناطق ذات الإمكانات الشمسية والريحية المرتفعة، يمنحانه قدرة على تغطية جزء متزايد من حاجاته الداخلية، ثم التوجه مستقبلًا إلى تصدير الهيدروجين الأخضر نحو ألمانيا. كما أعلنت برلين دعمها لتطوير تجارة الكهرباء بين المغرب والاتحاد الأوروبي.


وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في ضوء استراتيجية ألمانيا الوطنية للهيدروجين. فبرلين تتوقع أن تبلغ حاجتها إلى الهيدروجين ومشتقاته ما بين 95 و130 تيراواط ساعة بحلول سنة 2030، وأن تضطر إلى استيراد ما بين 50 و70% من هذه الكميات بسبب محدودية قدرتها المحلية على إنتاج هيدروجين تنافسي اعتمادًا على الشمس والرياح. ولذلك تبحث ألمانيا عن شبكة متنوعة من الموردين والممرات البحرية والبرية، بدل الارتهان لدولة واحدة أو طريق واحد.


ومن هذه الزاوية، يقدم المغرب لبرلين عناصر لا يوفرها المسار الجزائري بالصيغة نفسها.


فهو يمتلك قاعدة متقدمة في إنتاج الكهرباء الشمسية والريحية، وبنية صناعية ومينائية قادرة على استقبال مشروعات الهيدروجين والأمونيا الخضراء، فضلًا عن قربه من السوق الأوروبية واتصاله الكهربائي القائم بإسبانيا، وما يمكن أن يبنى عليه مستقبلًا من ربط أوسع بالشبكة الأوروبية من خلال فرنسا.


كما يتقدم التعاون من مستوى الإعلانات إلى مستوى الاستثمارات الميدانية. فقد حصل المجمع الشريف للفوسفاط على تمويل أخضر بقيمة 200 مليون يورو من بنك التنمية الألماني «KfW»  لدعم برنامجه الاستثماري الأخضر، الذي يشمل توسيع استعمال الطاقات الشمسية والريحية والتحول نحو الهيدروجين والأمونيا الخضراء. ويخطط المجمع لاستثمار سبعة مليارات دولار في إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، بما يخدم صناعة الأسمدة ويؤسس في الوقت نفسه لقاعدة صناعية طاقية قابلة للتوسع والتصدير.


وفي السياق نفسه، حصل مشروع «منصة الجرف للهيدروجين»، الذي تطوره شركة HydroJeel التابعة لمنظومة الابتكار المرتبطة بالمجمع الشريف للفوسفاط، على دعم بقيمة 30 مليون يورو من صندوق التنمية الألماني لمشروعات Power-to-X . ويستهدف المشروع إنتاج نحو مائة ألف طن من الأمونيا الخضراء سنويًا، بما يربط التمويل والتكنولوجيا الألمانيين بمنظومة صناعية مغربية قائمة، لا بمجرد فكرة تصديرية مؤجلة.


كما أن التعاون المغربي الألماني لا يقتصر على الهيدروجين، بل يشمل تمويل مزارع الرياح والطاقة الشمسية وشبكات الكهرباء، وإعداد الأطر التي تسمح مستقبلًا بتجارة الطاقة النظيفة بين المغرب وأوروبا. وقد دعمت ألمانيا، عبر مؤسساتها التمويلية، عددًا من المشروعات المغربية الكبرى في الطاقة المتجددة، بينما نصت خريطة طريق أوروبية مغربية سابقة على تطوير الربط بين الشبكة المغربية والشبكات الأوروبية وإزالة العوائق أمام انتقال الكهرباء المتجددة من إفريقيا نحو أوروبا.


وهكذا تتضح حدود الرهان الجزائري على ألمانيا.


فالجزائر تملك ميزة الاحتياطات الغازية القائمة، وخبرة في التصدير، وقربًا نسبيًا من ممر إيطاليا والنمسا. لكنها تدخل إلى ألمانيا عبر طريق متعدد الدول، وتراهن بدرجة كبيرة على تحويل بنيتها الغازية الحالية إلى بنية صالحة للهيدروجين في المستقبل، وهو الأر الذي لا يبدو قريب التحقق في المدى المتوسط على الأقل.


أما المغرب فيقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على إنتاج الطاقة المتجددة، وتصنيع مشتقات الهيدروجين، وجذب المستثمرين والتكنولوجيا، وربط الطاقة بالصناعة والموانئ والأسمدة، ثم التوجه التدريجي نحو السوق الأوروبية.


وبذلك لا تواجه ألمانيا خيارًا ثنائيًا بين الجزائر والمغرب، بل تبني سياسة تنويع واضحة:


الجزائر مورد محتمل للغاز والهيدروجين مستقبلا عبر ممر الجنوب.


وإيطاليا وتونس والنمسا دول عبور لا غنى عنها لذلك الممر.


أما المغرب، فيتقدم بوصفه منصة لإنتاج الكهرباء المتجددة والهيدروجين والأمونيا الخضراء، وشريكًا صناعيًا ولوجستيًا قريبًا من أوروبا.


ولهذا فإن زيارة تبون إلى برلين قد تعزز الموقع الجزائري داخل الحسابات الألمانية، لكنها لا تمنح الجزائر احتكار الشراكة الطاقية مع ألمانيا في محاولة يائسة لمنافسة المغرب. فبرلين تحتاج إلى المورد، لكنها تحتاج أيضًا إلى تعدد الطرق، واستقرار الشركاء، ونضج المشاريع، وقابلية الإنتاج والتصدير؛ وهي عناصر تجعل المغرب حاضرًا بقوة داخل المعادلة الألمانية، لا منافسًا هامشيًا خارجها.


في المقابل، يقدم الأنبوب الأطلسي تصورًا مختلفًا: تدفقات تبدأ من نيجيريا، تمر عبر كتلة واسعة من الدول الإفريقية، تصل إلى المغرب، ثم تتصل بالشبكة المغاربية الأوروبية القائمة أو ببنيات مستقبلية نحو القارة الأوروبية.


وهكذا لا ينافس المغرب الجزائر من خلال امتلاك احتياطات مماثلة، بل من خلال بناء طريق بديل للغاز الإفريقي.



المغرب لا يصبح منتجًا للغاز بل دولة ممر

من المهم عدم الوقوع في المبالغة.


فالأنبوب لا يحول المغرب تلقائيًا إلى دولة مصدرة للغاز مثل نيجيريا.


الغاز الأساسي سيكون نيجيريًا، وقد تنضم إليه مستقبلًا موارد من دول أخرى تقع على طول المسار. كالسنيغال وموريتانيا.


لكن المغرب يمكن أن يصبح:


دولة عبور؛

ومركز تجميع؛

ومحطة توزيع؛

ومنصة لتخزين الغاز وإعادة ضخه؛

وعقدة تربط إفريقيا بأوروبا؛

وسوقًا إقليميًا للطاقة والصناعة.


وهذه الوظائف تمنحه نفوذًا تفاوضيًا واستراتيجيًا كبيرًا.


فالدولة التي تملك الحقل تملك المورد.


أما الدولة التي تملك الممر والمنصة والشبكة، فتشارك في تحديد وجهة المورد وسوقه وقيمته الاستراتيجية.


وهذا ما جعل تركيا، على سبيل المثال، قوة طاقية مهمة رغم أنها ليست من أكبر منتجي الغاز؛ لأنها تقع عند تقاطع ممرات متعددة بين آسيا وأوروبا.


والرهان المغربي قريب من هذا المنطق: تحويل الموقع الأطلسي إلى أصل استراتيجي دائم.



الأنبوب ليس لإمداد أوروبا فقط

من الأخطاء المتكررة في قراءة المشروع اختزاله في تصدير الغاز النيجيري إلى أوروبا.


فالدافع الإفريقي الداخلي لا يقل أهمية عن الهدف الأوروبي.


يعاني عدد كبير من دول غرب إفريقيا ضعفًا في إنتاج الكهرباء، وارتفاعًا في تكاليف الطاقة، واعتمادًا على وقود ملوث أو مستورد، فضلًا عن ضعف البنية الصناعية.


وتؤكد الشركة الوطنية النيجيرية للبترول أن المشروع يستهدف توسيع الوصول إلى الطاقة، وتحفيز النمو الصناعي، وخلق فرص العمل، وفتح طريق جديد لتصدير الغاز نحو أوروبا. كما يرتبط بسلسلة من مذكرات التفاهم مع الدول التي سيمر عبرها.


وتشير «إيكواس» إلى أن الغاز يمكن أن يدعم:


إنتاج الكهرباء؛

والصناعة؛

والزراعة؛

والنقل النظيف نسبيًا؛

والطهي المنزلي الأقل تلويثًا؛

والانتقال التدريجي من مصادر طاقة أكثر ضررًا.


وبهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى الأنبوب بوصفه قناة استخراج تستنزف إفريقيا لمصلحة أوروبا، بل بوصفه مشروعًا يجب أن يضمن أولًا تزويد الدول الإفريقية الواقعة على مساره مما يساهم في تنميتها.


وهنا ستتحدد مشروعيته السياسية والاجتماعية.


فإذا تحول إلى مجرد خط تصدير، فقد يواجه اعتراضات ومقاومة.


أما إذا ولد الكهرباء والمصانع والوظائف داخل الدول المشاركة، فسيصبح لكل دولة مصلحة مباشرة في حمايته واستمراره.



من الغاز إلى ممر اقتصادي أطلسي

القيمة الأعمق للمشروع ليست في الغاز وحده، بل في البنية الاقتصادية التي قد تتشكل حوله.


فالأنابيب الكبرى لا تنقل الطاقة فقط، بل تعيد ترتيب المدن والموانئ والمناطق الصناعية والاستثمارات.


ويمكن للمشروع أن يخلق على طول الساحل الأطلسي الإفريقي:


محطات كهرباء؛

ومصانع أسمدة؛

ومجمعات بتروكيماوية؛

ومناطق صناعية؛

ومراكز تخزين؛

وموانئ طاقية؛

وشبكات توزيع داخلية.


كما يتكامل مع أدوات نفوذ مغربية قائمة أصلًا في غرب إفريقيا، منها:


البنوك؛

والاتصالات؛

والتأمين؛

والأسمدة؛

والنقل الجوي؛

والموانئ؛

والاستثمار الصناعي؛

والمبادرة الأطلسية الموجهة نحو دول الساحل.


وهذا هو الفارق الأساسي بين الحضور المغربي والحضور الجزائري.


الجزائر تملك الغاز، لكنها لم تبنِ في غرب إفريقيا منظومة اقتصادية ومالية ولوجستية مماثلة.


أما المغرب فيضيف الأنبوب إلى شبكة نفوذ موجودة فعلًا، بدل أن يبدأ من الصفر.



لماذا نيجيريا شريك حاسم؟

لا يمكن للمشروع أن يتحقق بالإرادة المغربية وحدها.


نيجيريا هي قلبه الإنتاجي والسياسي.


فهي صاحبة الاحتياطات الكبرى، وأكبر دولة إفريقية من حيث السكان، وإحدى القوى الرئيسة داخل غرب إفريقيا.


كما أن المشروع يمنحها فرصة لمعالجة مشكلة قديمة: امتلاك الغاز من دون القدرة الكافية على تسويقه محليًا وإقليميًا وعالميًا.


وقد أكدت الشركة الوطنية النيجيرية للبترول أن المشروع يهدف إلى تسييل القيمة الاقتصادية للاحتياطات النيجيرية، وفتح أسواق جديدة، ودعم التصنيع وتوليد الكهرباء.


وهذا يعني أن الرباط وأبوجا لا تنظران إلى المشروع من الزاوية نفسها فقط.


المغرب يرى فيه ممرًا استراتيجيًا.


ونيجيريا تراه منفذًا لتسييل احتياطاتها. الضخمة وصرفها في التنمية.


ودول غرب إفريقيا تراه مصدرًا للكهرباء والصناعة. الأمر الطي سيساهم في تنمية بلدانها.


وأوروبا قد تراه طريقًا إضافيًا لتنويع الإمدادات بعد الأزمة الروسية الأوكرانية.


وتقاطع هذه المصالح هو مصدر قوة المشروع.



هل سحب الأنبوب البساط فعلًا من الجزائر؟

ليس بعد.


من الضروري التمييز بين التقدم السياسي والمؤسساتي وبين الإنجاز الفعلي.


المشروع قطع مراحل مهمة:


توسيع قاعدة الدول المشاركة؛

توقيع مذكرات تفاهم؛

اعتماد الاتفاق الحكومي الدولي؛

اعتماد اتفاق الدولة المضيفة؛

توحيد الاسم والمؤسسات؛

وإكمال مرحلة متقدمة من الدراسات الهندسية الأولية.


وقد أعلنت «إيكواس» في 2024 أن المرحلة الثانية من دراسة التصميم الهندسي الأولي قد اكتملت، مع استمرار الدراسات البيئية والاجتماعية وأعمال الاستملاك وإعادة التوطين.


لكن تبقى أسئلة البحث:


من سيمول المشروع؟

كيف ستوزع الملكية والعائدات؟

ما ضمانات الأمن في بعض المناطق؟

كيف ستدار المخاطر السياسية بين دول عديدة؟

ما سعر الغاز الذي يضمن الجدوى؟

هل ستلتزم أوروبا بعقود طويلة في ظل الانتقال الطاقي؟

وهل يمكن احترام المواعيد المعلنة للإنجاز؟


لهذا، فإن المصادقة السياسية لا تعني أن الغاز سيبدأ في التدفق قريبًا.


لكنها تعني أن المشروع تجاوز مرحلة الخطاب، ودخل تدريجيًا مرحلة البناء القانوني والمؤسساتي والاستثماري.


وهذا وحده تطور استراتيجي مهم.



مكمن القلق الجزائري

الخطر الحقيقي على الجزائر لا يتمثل في أن يتوقف الطلب الأوروبي على غازها غدًا، فهذا غير وارد.


بل يتمثل في تراجع موقعها من مورد شبه محتكر في محيطه إلى مورد من بين عدة موردين وممرات.


كل طريق بديل يمنح أوروبا قدرة تفاوضية أكبر.


وكل أنبوب جديد يقلل من قيمة استخدام الطاقة أداة ضغط.


وكل شبكة تمر عبر المغرب توسع نفوذه في إفريقيا وأوروبا.


وبذلك، حتى قبل تشغيل الأنبوب، يبدأ المشروع في إنتاج أثر جيوسياسي.


فهو يقنع الدول بأن المغرب قادر على جمعها حول بنية مشتركة.


ويعزز صورته بوصفه دولة وصل لا دولة قطع.


ويضيف إلى حضوره المالي والصناعي والدبلوماسي بعدًا طاقيًا.


ويجعل أوروبا تنظر إلى الساحل الأطلسي الإفريقي باعتباره فضاءً محتملًا للتزويد والاستثمار، لا مجرد منطقة للهجرة والأزمات الأمنية.



أيهما أقوى: دولة المورد أم دولة الشبكة؟


الجزائر تراهن على قوة المورد.


المغرب يراهن على قوة الشبكة.


المورد يمنح دخلًا ونفوذًا سريعًا، لكنه يبقى مرتبطًا بالاحتياطات والأسعار والأسواق.


أما الشبكة فتخلق روابط طويلة الأمد بين الدول والمؤسسات والمستثمرين والمستهلكين.


ولذلك فإن الأنبوب الأطلسي، لن يكون مجرد منافس لأنبوب جزائري أو مشروع هيدروجين آخر، بل سيكون جزءًا من نموذج جيوسياسي مختلف.


نموذج يقوم على ربط إفريقيا من الداخل، ثم وصلها بالعالم.


وهذا ما يجعل الصراع بين المغرب والجزائر أكبر من سباق على بيع الغاز.


إنه صراع بين تصورين للقوة:


قوة تقوم على ما تملكه الدولة في باطن أرضها.


وقوة تقوم على ما تستطيع بناءه حولها من علاقات ومسارات ومصالح مشتركة.



الخلاصة

جاء تثبيت مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي في لحظة رمزية شديدة الدلالة.


فالجزائر كانت تعرض في برلين نفسها بوصفها شريك الطاقة المقبل لألمانيا وأوروبا.


وفي الوقت نفسه، كانت دول غرب إفريقيا تتحرك نحو منح مشروع المغرب ونيجيريا غطاءً إقليميًا أوسع.


لا يعني ذلك أن الجزائر خسرت سوق الطاقة الأوروبية، ولا أن المغرب أصبح فجأة دولة غازية.


لكنه يعني أن قواعد اللعبة تتغير.


فالمغرب لا ينافس الجزائر في حجم الاحتياطات، بل في صناعة الممرات.


ولا يقدم نفسه مصدرًا وحيدًا، بل حلقة وصل بين نيجيريا وغرب إفريقيا والساحل وأوروبا.


ولا يبني نفوذه على أنبوب منفرد، بل يدمجه في شبكة تشمل الموانئ والاستثمار والبنوك والأسمدة والنقل والمبادرة الأطلسية.


ولهذا فإن أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يستحق وصف "مشروع القرن".


ليس بسبب طوله أو كلفته فقط، بل لأنه قد ينقل المغرب من دولة تستورد معظم حاجتها من الطاقة إلى دولة تتحكم في واحد من أهم ممرات الطاقة الإفريقية.


وعندئذ لن يكون السؤال من يملك الغاز وحده.


بل من يملك الطريق الذي يعبره الغاز، ومن يستطيع أن يحول ذلك الطريق إلى كهرباء وصناعة وتنمية ونفوذ.


وفي هذا الرهان، تتقدم الرباط بخطوات هادئة، بينما تكتشف الجزائر أن امتلاك المورد لا يكفي حين يبدأ الآخرون في امتلاك الشبكة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق