الوعد السياسي الأول: بين الانتقال الديمقراطي والتنمية بقيادة الدولة
لم يبدأ الوعد السياسي للعهد الجديد سنة 1999 من فراغ. فقد جاء انتقال العرش بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني السلطوي، عرفت في سنواتها الأخيرة بداية مصالحة محسوبة مع المعارضة التاريخية، وفتحًا تدريجيًا للمجال السياسي، وإدماجًا جزئيًا لبعض القوى التي ظلت لعقود في موقع المعارضة الجذرية أو النقدية. وكانت تجربة التناوب التوافقي، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، التعبير الأبرز عن هذا التحول؛ إذ بدا أن الدولة، بعد سنوات طويلة من التوتر والصراع، اختارت أن تُدخل جزءًا من المعارضة إلى الحكم، لا بوصفه انتقالًا كاملًا للسلطة، بل بوصفه انتقالًا مضبوطًا داخل بنية ملكية قوية ومستمرة.../...
ومن هنا، فإن الحديث عن “الانتقال الديمقراطي” في المغرب لم يكن يعني، منذ البداية، قطيعة فجائية مع طبيعة النظام السياسي، ولا انتقالًا على النمط الذي عرفته بعض الدول الخارجة من السلطوية إلى الديمقراطية التمثيلية الكاملة. كان الأمر أقرب إلى مسار متدرج، محسوب، يوسع هامش المشاركة، ويخفف حدة التوتر، ويعيد ترتيب علاقة الدولة بالأحزاب والمجتمع، لكن من غير أن يمس جوهر المركزية الملكية في صناعة القرار.
وقد كان الحسن الثاني قد وضع، بطريقته الخاصة، جزءًا من الأساس النظري لهذا التصور. فالديمقراطية، في خطابه، لم تكن مجرد انتخابات وطنية أو تنافس على الحكومة، بل كانت أيضًا مدرسة يتعلم فيها المجتمع أصول المشاركة من القاعدة. لذلك كانت الجماعة المحلية، في هذا التصور، فضاء أوليًا لتكوين المواطن السياسي؛ فيها يتعلم معنى التصويت، والمساءلة، والميزانية، والمصلحة العامة، وحدود الوعود أمام إكراهات الواقع.
وكان وراء هذا التصور افتراض واضح: أن مجتمعًا خرج من الاستعمار، وعانى من نسب أمية مرتفعة، وضعف في الثقافة السياسية الحديثة، وهشاشة في الأحزاب والوسائط، لا يستطيع أن يقفز دفعة واحدة إلى ديمقراطية سياسية كاملة وفق القواعد الغربية. لذلك كان لا بد، في منطق الدولة، من تمرين تدريجي يبدأ من المحلي قبل الوطني، ومن الجماعة قبل البرلمان، ومن تدبير القرب قبل الصراع على السلطة المركزية.
ولم يكن هذا المنطق معزولًا عن بعض التجارب الدولية التي جعلت من الديمقراطية المحلية تمرينًا أوليًا على المشاركة والمساءلة. فالفكرة التي حكمت هذا التصور هي أن الديمقراطية لا تُبنى فقط من الأعلى، بل تتعلمها المجتمعات في المجال القريب، حيث يختبر المواطن أثر القرار في حياته اليومية. غير أن هذه الفكرة، على وجاهتها النظرية، تحمل إشكالها منذ البداية. فالديمقراطية المحلية قد تكون مدخلًا لتوسيع المشاركة، وقد تتحول إلى وسيلة لتأجيل الديمقراطية الوطنية. وقد تكون تدريبًا للمجتمع على الحرية، وقد تصبح حجة للوصاية عليه. وقد تكون اعترافًا بضعف البنية السياسية والاجتماعية، وقد تتحول إلى مبرر لإبقاء القرار الحقيقي خارج المؤسسات المنتخبة.
ومن هنا يصبح السؤال التقويمي ضروريًا: إذا كانت الديمقراطية المحلية مدرسة، فماذا أنتجت هذه المدرسة؟ هل تحولت الجماعات القروية والبلدية إلى فضاءات لتكوين المواطن السياسي، وإنتاج نخب محلية مسؤولة، وتدبير الشأن العام بكفاءة وشفافية؟ أم بقيت، في حالات كثيرة، مجالًا لإعادة إنتاج الأعيان، والزبونية، الفساد، وضعف الموارد، وهيمنة الإدارة، وتحكم المركز في القرار المحلي؟
إن كل مدرسة تُقاس بنتائجها. فإذا كانت الجماعات المحلية هي المدرسة الأولى للديمقراطية، فإن حصيلة عقود من التجربة المحلية ينبغي أن تُقرأ لا من عدد الانتخابات التي نُظمت، بل من نوعية النخب التي أفرزتها، ومن مستوى المشاركة التي خلقتها، ومن قدرة المواطن على مراقبة المنتخبين، ومن أثر التدبير المحلي في حياته اليومية.
والأمر نفسه ينسحب على مشروع الجهوية. فقد كان التفكير في الجهة حاضرًا بوصفه مستوى أوسع من توزيع القرار، لا مجرد تقسيم إداري. فالجهوية، في عمقها، محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والهامش، وبين الدولة والمجال، وبين السلطة الترابية والتنمية. غير أن المغرب لم يكن يتوفر، عند بداية هذا المسار، على كل الشروط التي تجعل الجهوية قادرة على التحول إلى سلطة ترابية حقيقية: نخب محلية مؤهلة، أحزاب قوية، إدارة جهوية قادرة على التخطيط، مواطنون قادرون على المراقبة، وقضاء وإعلام ومجتمع مدني يضمنون ألا تتحول اللامركزية إلى نقل للفساد والزبونية من المركز إلى الهامش.
ولهذا وجدت الدولة المغربية نفسها أمام مفارقة دقيقة: هي تريد اللامركزية حتى لا يبقى كل شيء معلقًا بالعاصمة، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي توزيع السلطة على المجال إلى فوضى تدبيرية، أو إلى تقوية شبكات الأعيان، أو إلى إعادة إنتاج الفساد محليًا، أو إلى ظهور تفاوتات أعمق بين جهات قادرة وجهات عاجزة.
ومن هنا ظهر الفرق الجوهري بين اللاتمركز واللامركزية. فاللاتمركز يبقي السلطة داخل جهاز الدولة، لكنه يوزعها إداريًا على المجال؛ أما اللامركزية فتنقل جزءًا من القرار إلى هيئات منتخبة تملك صلاحيات وموارد ومساءلة سياسية. الأول يخفف ضغط المركز، لكنه لا يغير طبيعة السلطة. أما الثاني فيعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن عبر مؤسسات محلية وجهوية مسؤولة أمام الناخبين.
وقد ظل المسار المغربي محكومًا بنوع من التوازن الحذر: مركزية سياسية قوية، ولاتمركز إداري لتدبير المجال، ولامركزية انتخابية محدودة لا تصل دائمًا إلى مستوى السلطة الترابية الحقيقية. وكان هذا التوازن مفهومًا في ضوء مخاوف الدولة من ضعف النخب المحلية، ومن هشاشة الأحزاب، ومن خطر تحويل الجهة أو الجماعة إلى مجال لإعادة إنتاج الزبونية والفساد. لكنه طرح، في الوقت نفسه، سؤالًا مضادًا: كيف يمكن تكوين نخب محلية قوية إذا كانت لا تُمنح سلطة حقيقية للتجربة والمساءلة من قبل مؤسسات رقابية فعالة وقضاء مستقل؟
بهذا المعنى، لم يكن مسار الجهوية في المغرب صراعًا بين المركز والهامش فقط، بل كان صراعًا داخل تصور الدولة نفسها: كيف تحافظ على وحدة القرار، وفي الوقت ذاته توسع المشاركة؟ كيف تضمن فعالية التدبير، دون أن تفتح الباب لفوضى النفوذ المحلي؟ وكيف تنقل بعض وظائف الدولة إلى المجال، دون أن تفقد السيطرة على المعنى السياسي للسلطة؟
هذه الخلفية كلها انتقلت إلى عهد محمد السادس. فقد وجد الملك الجديد أمامه سؤالًا مركبًا: هل تكون الديمقراطية مدخلًا للإصلاح، أم تكون التنمية مدخلًا للديمقراطية؟ هل ينبغي توسيع المجال السياسي أولًا حتى تنتج المؤسسات المنتخبة سياسات مسؤولة؟ أم ينبغي أن تقود الدولة التنمية أولًا حتى تخلق شروط المجتمع القادر على ممارسة ديمقراطية أوسع؟
في بداية العهد الجديد، بدا أن الاختيار العملي مال إلى أولوية التنمية على الديمقراطية، أو إلى صيغة أدق: تنمية تقودها الدولة تحت سقف سياسي مضبوط. فالقصر لم يكتف بدور الحكم بين المؤسسات، بل بدا وكأنه أراد أن يكون قاطرة اقتصادية واجتماعية تدفع البلاد إلى الأمام، في ظل أحزاب ضعيفة، وإدارة مثقلة بإرث بيروقراطي، ونخب سياسية فاقدة لجزء كبير من الثقة. كان الرهان أن الملكية، بحكم رمزيتها واستمراريتها وقدرتها على التحكيم والحسم، تستطيع أن تقود مشاريع كبرى لا تقدر عليها حكومة حزبية قصيرة النفس أو برلمان محدود التأثير.
وهكذا تشكلت في بداية العهد الجديد معادلة غير معلنة لكنها حاضرة في العمق: تأجيل جزئي لسؤال الديمقراطية الكاملة مقابل تسريع سؤال التنمية. لم يكن الأمر إلغاءً للسياسة، بل إعادة ترتيب لأولوياتها. فالخطاب الجديد لم يقل للمغاربة إن الديمقراطية غير مهمة، لكنه أوحى بأن التنمية ومحاربة الفقر والهشاشة وتحديث الاقتصاد والبنية التحتية وبناء مغرب جديد هي الأولوية العاجلة. أما الديمقراطية، فستتقدم تدريجيًا بقدر ما تنضج الأحزاب، وتتقوى المؤسسات، وتتوسع الطبقة الوسطى، ويتراجع الفقر والأمية.
غير أن هذا الاختيار يطرح سؤالًا جوهريًا سيظل ملازمًا لكل الحصيلة: هل نجحت التنمية الموجهة من أعلى في خلق الشروط الاجتماعية والاقتصادية لديمقراطية أوسع؟ أم أنها أنتجت دولة أقوى ومشاريع أكبر دون أن تنتج مجتمعًا أكثر مشاركة وثقة؟ هل كان القصر قاطرة مؤقتة لتعويض ضعف الأحزاب والإدارة، أم أصبح مركز الثقل الدائم الذي يجعل المؤسسات المنتخبة تابعة لا قائدة؟ وهل أدى تقديم التنمية على الديمقراطية إلى تسريع الإصلاح، أم إلى إضعاف المساءلة التي لا تنجح التنمية من دونها؟
لا تعني هذه الأسئلة إنكار صعوبة اللحظة التي بدأ فيها العهد الجديد. فقد كان المغرب خارجًا من إرث سياسي ثقيل، ومجتمعًا واسع الأمية، واقتصادًا محدود الإمكانات، وأحزابًا مستنزفة، وإدارة موروثة عن زمن التحكم. لذلك كان من المفهوم أن يطرح سؤال التدرج. لكن التدرج لا يُقاس بوجاهة مبرراته الأولى، بل بنتيجته بعد زمن كافٍ. فإذا كان الهدف من التدرج هو الوصول إلى ديمقراطية أعمق، وجب أن نسأل بعد ربع قرن: هل اقترب المغرب فعلًا من هذا الهدف؟ وإذا كان الهدف من أولوية التنمية هو خلق شروط الاستقلال الاقتصادي والازدهار، وجب أن نسأل: هل تحقق ذلك بما يكفي؟ وهل تحولت التنمية إلى قوة تحرير للمجتمع، أم بقيت مشروعًا تقوده الدولة دون أن يمتلكه المواطن؟
بهذا المعنى، فإن الوعد السياسي الأول للعهد الجديد لم يكن وعدًا بسيطًا بالديمقراطية، بل وعدًا مركبًا: دولة تقود التنمية، وتفتح المجال تدريجيًا، وتصالح الذاكرة، وتحسن صورة السلطة، وتعد المواطن بأن الاستقرار لن يكون بديلًا عن الإصلاح، بل شرطًا له.
غير أن كل وعد مركب يحمل خطره داخله. فإذا نجحت التنمية دون ديمقراطية، قد تصبح الدولة قوية لكن المجتمع ضعيفًا. وإذا رُفعت الديمقراطية دون تنمية، قد تتحول الحرية إلى صراع على الندرة. أما الرهان الأصعب فهو أن تتقدم التنمية والديمقراطية معًا: أن تكبر الدولة في قدرتها على الإنجاز، ويكبر المواطن في قدرته على المشاركة والمساءلة.
وهنا تبدأ أول معركة تقويمية في هذا العمل: هل استطاع العهد الجديد أن يوازن بين الديمقراطية والتنمية؟ أم أنه اختار التنمية الموجهة من أعلى، ثم لم يسمح للديمقراطية بأن تلحق بها بما يكفي؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا يمكن أن يُبنى على الانطباع. لذلك سيتم اختبار هذه المعادلة من خلال ثلاث دوائر مترابطة: دائرة الانتقال الديمقراطي وموقع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة؛ دائرة الجهوية واللاتمركز وسؤال القرار الترابي؛ ودائرة التنمية بقيادة الدولة، حيث تتحول المشاريع الكبرى من وعد سياسي إلى حصيلة قابلة للقياس.
غير أن النتيجة الأعمق لهذا الاختيار لم تكن سياسية فقط، بل اجتماعية ومجالية أيضًا. فقد ساهمت التنمية الموجهة من أعلى، بما حققته من إنجازات كبرى وبنيات استراتيجية، في إنتاج صورة مغرب صاعد وحديث ومتحرك، لكنها لم تمنع، في الوقت نفسه، من تشكل مجتمع مغربي يسير بسرعتين: مغرب الواجهات الكبرى، والموانئ، والطرق السيارة، والقطار فائق السرعة، والمشاريع الاستثمارية، والحضور الخارجي؛ ومغرب آخر يعيش ثقل المدرسة العمومية المتعثرة، والمستشفى المرهق، والبطالة، والهشاشة، وضعف الخدمات، وصعوبة الترقي الاجتماعي.
وليست هذه المفارقة مجرد انطباع نقدي خارجي، بل هي مما اعترف به الخطاب الرسمي نفسه. فقد أكد الملك محمد السادس، في خطاب العرش ليوم 29 يوليو 2025، أن بعض المناطق، ولا سيما في العالم القروي، ما تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة والنقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، قبل أن يقرر بوضوح: “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”. وهذه العبارة، بما تحمله من اعتراف سياسي وأخلاقي، لا تنفي ما تحقق من إنجازات، لكنها تؤكد أن مسار التنمية لم يكن متوازنًا بما يكفي، وأن المغرب الصاعد في الواجهة لم يستطع بعد أن يصعد بكل مجالاته وفئاته بالسرعة نفسها.
وهنا لا يكون الحديث عن “مغرب بسرعتين” مجرد شعار نقدي، بل نتيجة تقويمية تحتاج إلى اختبار بالأرقام. فالسؤال ليس هل أنجزت الدولة مشاريع كبرى؛ الجواب نعم. والسؤال ليس هل تغيرت صورة المغرب في الخارج؛ الجواب نعم أيضًا. لكن السؤال الأعمق هو: هل سار المجتمع كله بالسرعة نفسها؟ هل استفادت الجهات والفئات بالقدر نفسه؟ هل تحولت البنية التحتية إلى عدالة اجتماعية؟ وهل أدى تحديث الواجهة الاقتصادية إلى تحديث شروط العيش اليومية للمواطن؟
بهذا المعنى، لا تكمن المعضلة في أن الدولة لم تتحرك، بل في أن حركة الدولة لم تتحول دائمًا إلى حركة اجتماعية شاملة. فقد تحركت البنية التحتية بسرعة، وتحرك الاستثمار في قطاعات معينة، وتحرك الحضور الخارجي للمغرب بقوة، وتحركت صورة البلاد في مجالات عديدة؛ لكن المدرسة لم تتحرك بالسرعة نفسها، ولا المستشفى العمومي، ولا سوق الشغل، ولا العدالة المجالية، ولا قدرة المواطن البسيط على الشعور بأن التنمية التي تُعلن باسمه قد وصلت فعلًا إلى حياته اليومية.
وهنا يظهر الفرق بين التنمية بوصفها إنجازًا ماديًا، والتنمية بوصفها تحولًا اجتماعيًا. فالإنجاز المادي يمكن قياسه بعدد الكيلومترات من الطرق، وعدد الموانئ، وحجم الاستثمارات، وقيمة المشاريع، وعدد البرامج المعلنة. أما التحول الاجتماعي فيُقاس بسؤال آخر: هل صار الطفل المولود في قرية بعيدة يملك فرصة حقيقية للتعليم الجيد؟ هل صار المريض الفقير يجد علاجًا يحفظ كرامته؟ هل صار الشاب المتعلم يجد شغلًا كريمًا داخل وطنه؟ هل صارت المرأة في الهامش أكثر أمنًا واستقلالًا؟ هل صار المواطن يثق بأن مجهوده يمكن أن يرفعه اجتماعيًا دون وساطة أو زبونية أو هجرة؟
فإذا بقيت التنمية في مستوى البنية دون أن تعيد بناء الإنسان، فإنها تنتج مفارقة مؤلمة: طرق حديثة تمر قرب قرى فقيرة، وموانئ كبرى في بلد ما تزال فيه المدرسة العمومية عاجزة عن إنتاج تكافؤ الفرص، وقطارات سريعة في مجتمع يتحرك كثير من شبابه ببطء شديد نحو العمل والاستقرار، ومشاريع استثمارية كبرى لا تنعكس بالضرورة على دخل الأسر الهشة ولا على جودة الخدمات العمومية.
وهذا لا يعني أن البنية التحتية غير مهمة. بل على العكس، لا يمكن لأي دولة أن تبني اقتصادًا قويًا من دون موانئ وطرق ومطارات وطاقة وشبكات اتصال. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول البنية التحتية إلى دليل نهائي على النجاح، بدل أن تكون شرطًا أوليًا له. فالطريق لا تُقاس فقط بأنها عُبّدت، بل بما فتحته من فرص. والميناء لا يُقاس فقط بحجمه، بل بما خلقه من قيمة مضافة وطنية. والقطار السريع لا يُقاس فقط بسرعته، بل بما إذا كان جزءًا من رؤية شاملة للنقل والعدالة المجالية، لا مجرد واجهة حداثية معزولة عن باقي الشبكة الاجتماعية.
من هنا يصبح سؤال التنمية في عهد محمد السادس سؤالًا مزدوجًا: ماذا أنجزت الدولة؟ ثم ماذا غيّر الإنجاز؟ والسؤال الثاني أهم من الأول؛ لأن الدول لا تُقوَّم بما تبنيه فقط، بل بما يتركه البناء في حياة الناس من أثر. فقد تبني الدولة كثيرًا، لكن المواطن لا يشعر إلا قليلًا. وقد تتقدم المؤشرات المادية، بينما تبقى المؤشرات الاجتماعية متعثرة. وقد تتحسن صورة البلاد في الخارج، بينما يبقى الداخل محكومًا بقلق المعيشة، وضعف الخدمات، وضيق الأفق أمام الشباب.
ولذلك فإن الحديث عن “مغرب بسرعتين” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حكمًا أخلاقيًا عامًا، بل بوصفه مدخلًا تحليليًا لفهم طبيعة النموذج التنموي. فهو يعني أن سرعة الدولة في بناء الواجهة لم تكن دائمًا مساوية لسرعة المجتمع في تحسين شروط العيش. ويعني أن المركز والهوامش لم يتحركا بالإيقاع نفسه. ويعني أن الفئات القادرة على الاندماج في الاقتصاد الحديث استفادت أكثر من الفئات المحاصرة في التعليم الضعيف، والعمل الهش، والمجال القروي، والأحياء الطرفية.
ومن هنا، فإن التقويم العادل لا يكتفي بالقول إن المغرب تقدم أو لم يتقدم، بل يسأل: من تقدم؟ وأين؟ وبأي سرعة؟ وعلى حساب ماذا؟ وهل تقدم المغرب باعتباره دولة وموقعًا وبنية، أم تقدم أيضًا باعتباره مجتمعًا وعدالة وفرصًا وثقة؟
هذه الأسئلة سترافقنا في قراءة كل محور من محاور الحصيلة. ففي السياسة سنسأل: هل تحولت المشاركة إلى سلطة فعلية أم بقيت ضمن هامش مضبوط؟ وفي الجهوية سنسأل: هل اقترب القرار من المواطن أم اقتربت الإدارة فقط؟ وفي التنمية سنسأل: هل أصبحت المشاريع الكبرى وسيلة لتحرير المجتمع، أم بقيت إنجازات فوقية لا يصل أثرها بالتساوي إلى الجميع؟
وهنا يتضح أن معضلة العهد الجديد لم تكن في غياب الإرادة التحديثية، بل في طبيعة التحديث نفسه. لقد أراد تحديث الدولة، لكنه لم ينجح دائمًا في تحديث العلاقة بين الدولة والمجتمع. أراد بناء مغرب قوي في الخارج، لكنه لم يحسم كل شروط القوة العادلة في الداخل. أراد تجاوز التخلف عبر مشاريع كبرى، لكنه اصطدم بحقيقة أن التخلف لا يسكن الطرق والموانئ وحدها، بل يسكن المدرسة، والإدارة، والثقة، وتوزيع الفرص، وقدرة الإنسان على أن يشعر بأنه شريك في مستقبل بلده لا مجرد موضوع لسياساتها.
لذلك فإن السؤال الذي يطرح هنا ليس سؤالًا ضد التنمية، بل سؤالًا في صميمها: هل يمكن لتنمية تقودها الدولة من أعلى أن تنجح من دون ديمقراطية كافية من أسفل؟ وهل يمكن للمشاريع الكبرى أن تعوض ضعف المشاركة والمساءلة؟ وهل يمكن للحداثة المادية أن تنتج وحدها مجتمعًا عادلًا، إذا لم ترافقها حداثة سياسية ومؤسساتية وأخلاقية؟
بهذا المعنى، فإن هذا الطرح لا يحاكم التنمية لأنها اختارت الإنجاز، بل يختبرها لأنها وعدت بالأثر. ولا يحاكم الدولة لأنها قادت المشاريع، بل يسألها: لماذا لم يتحول جزء معتبر من تلك المشاريع إلى عدالة أعمق وثقة أوسع وفرص أكثر توازنًا؟
ومن هنا ننتقل إلى الدائرة الأولى من الاختبار: الانتقال الديمقراطي وموقع الأحزاب والمؤسسات المنتخبة في عهد ظل فيه القصر مركز المبادرة، بينما بقيت السياسة الحزبية، في كثير من الأحيان، تدور حول القرار أكثر مما تصنعه.
أولًا: الانتقال الديمقراطي وحدود السياسة الحزبية
من إرث التحكم إلى ديمقراطية منخفضة الكثافة
حين نتحدث عن الانتقال الديمقراطي في بداية عهد محمد السادس، ينبغي ألا نغفل أن هذا الانتقال لم يبدأ من مجال سياسي حر ومحايد، بل من حقل حزبي وانتخابي سبق تشكيله بعناية خلال عقود سابقة. فقد ورث العهد الجديد نظامًا انتخابيًا لم يكن مجرد آلية تقنية لاختيار الممثلين، بل كان جزءًا من هندسة سياسية أوسع، صاغتها وزارة الداخلية، وخاصة في عهد رجل الدولة القوي إدريس البصري، لضبط نتائج الاقتراع، والتحكم في توازنات الأحزاب، ومنع أي قوة سياسية من التحول إلى أغلبية اجتماعية وسياسية قادرة على فرض إرادتها على مركز القرار.
لقد كان التقطيع الانتخابي أحد أهم أدوات هذه الهندسة. فالدائرة الانتخابية ليست مجرد خريطة محايدة، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لصناعة النتائج قبل يوم الاقتراع. وحين تُرسم الدوائر بطريقة تضعف المدن الكبرى، أو تشتت الكتل الناخبة، أو تمنح وزنًا مبالغًا فيه لمجالات معينة، فإن صندوق الاقتراع لا يعود وحده صاحب الكلمة. وقد أشار عدد من الفاعلين والتحليلات إلى أن التقطيع الانتخابي استُعمل في المغرب، منذ ستينيات القرن الماضي، لتقليص وزن قوى المعارضة التاريخية ومنعها من اكتساح المؤسسات المنتخبة. وفي عهد الوزير إدريس البصري، بلغت هذه الهندسة ذروتها؛ إذ صارت وزارة الداخلية، التي وُصفت في تلك المرحلة بـ“أم الوزارات”، مركزًا فعليًا لتدبير الخريطة الانتخابية والسياسية. وقد ظل البصري، على امتداد ربع قرن تقريبًا، رمزًا لهذا النمط من التحكم في الانتخابات والإدارة الترابية.
ولذلك فإن إقالة إدريس البصري في بداية عهد محمد السادس كانت لحظة رمزية قوية، لكنها لم تكن كافية وحدها لتفكيك كل الآليات التي ارتبطت بمرحلته. فالأشخاص يرحلون أسرع من البنيات. وإذا كان رحيل البصري قد أرسل إشارة سياسية إلى نهاية عهد معين، فإن السؤال الأعمق ظل قائمًا: هل انتهت هندسة التحكم، أم تغيرت أدواتها ولغتها وفاعلوها؟
من بين هذه الأدوات أيضًا تفريخ عدد كبير من الأحزاب، أو السماح بتكاثرها إلى حد جعل الخريطة السياسية شديدة التشظي. وهذه المفارقة لافتة؛ لأن الحسن الثاني نفسه كان قد عبّر في مرحلة من المراحل عن أمله في أن يتجه المغرب نحو مشهد حزبي أكثر وضوحًا، يقوم على حزبين قويين أو قطبين كبيرين قادرين على التداول وتحمل المسؤولية. غير أن الواقع سار في اتجاه معاكس: تعددية واسعة في العدد، ضعيفة في القوة، كثيرة في الأسماء، محدودة في القدرة على التأطير والتمثيل وإنتاج البدائل.
وهكذا نشأ مشهد حزبي مفارق: كثرة حزبية لا تعني تعددية سياسية حقيقية، وانتخابات دورية لا تعني بالضرورة تداولًا فعليًا على القرار، وحكومات حزبية لا تملك دائمًا مفاتيح السياسات الكبرى. فالتحكم لا يحتاج دائمًا إلى حزب واحد مهيمن؛ قد ينجح أحيانًا عبر خلق عدد كبير من الأحزاب الضعيفة والمتنافسة، بحيث لا تستطيع أي قوة أن تبني أغلبية مستقلة، ولا يستطيع الناخب أن يرى بديلًا واضحًا، ولا تستطيع المؤسسات المنتخبة أن تتحول إلى مركز فعلي لصناعة القرار. وقد لاحظت تقارير وتحليلات حديثة أن المشهد الحزبي المغربي ظل يعاني من التشظي وضعف الثقة، وأن الملكية حافظت على موقع مهيمن عبر سلطات رسمية وغير رسمية وشبكات نفوذ داخل الدولة والمجتمع.
ولم يكن المجال القروي خارج هذه الهندسة، بل كان أحد أعمدتها الأساسية. فالعالم القروي، بحكم وزنه الديمغرافي التاريخي، وضعف التعليم، وقوة الروابط التقليدية، وحضور الإدارة الترابية، ظل خزانًا انتخابيًا حاسمًا. وفي هذا المجال لا تُحسم الانتخابات دائمًا بالبرامج والأفكار، بل كثيرًا ما تُحسم بالعلاقات الشخصية، والوساطة، والنفوذ المحلي، وشبكات الأعيان، والحاجة الاجتماعية، وقرب السلطة المحلية. لذلك ظل التحكم في المجال القروي وسيلة للتحكم في جزء مهم من اللعبة السياسية الوطنية.
فالدولة، وهي تتحدث عن الديمقراطية المحلية بوصفها مدرسة، كانت تدرك في الوقت نفسه أن هذه المدرسة تعمل داخل مجال غير متكافئ. فالناخب القروي لا يختار دائمًا في شروط حرية سياسية كاملة، لا لأنه فاقد للإرادة، بل لأن محيطه الاجتماعي والاقتصادي يجعله أكثر عرضة للضغط، والحاجة، والوساطة، والتوجيه. وحين تكون الطريق، والشهادة الإدارية، والاستفادة من برنامج اجتماعي، والقرب من السلطة، كلها عناصر حاضرة في الحياة اليومية، يصبح التصويت في كثير من الأحيان جزءًا من شبكة علاقات لا مجرد موقف سياسي.
ومن هنا برز دور النخبة الاقتصادية المحلية، أو ما يسميه المغاربة عادة “أصحاب الشكارة”. فقد احتاجت أحزاب السلطة، أو الأحزاب القريبة من منطق الدولة، إلى مرشحين قادرين على تمويل الحملات، وتعبئة الشبكات المحلية، وضمان الأصوات في المجالات التي لا تصل إليها الأحزاب عبر التأطير الفكري والتنظيمي. وهكذا تحولت السياسة، في كثير من الحالات، من تنافس برامج إلى تنافس موارد؛ ومن معركة أفكار إلى معركة نفوذ؛ ومن تمثيل اجتماعي إلى استثمار انتخابي.
وهذا النمط لا يفسد الانتخابات فقط، بل يفسد معنى الحزب نفسه. فالحزب، في الأصل، ينبغي أن يكون مدرسة سياسية، ومجالًا للتأطير، وإنتاج النخب، وصياغة البرامج، وربط المجتمع بالدولة. لكنه حين يعتمد على الأعيان وأصحاب المال بدل المناضلين والكفاءات، يتحول إلى آلة انتخابية موسمية. وحين يصبح المرشح أهم من البرنامج، والتمويل أهم من الفكرة، والقرب من السلطة أهم من القرب من المجتمع، تفقد السياسة معناها التمثيلي وتتحول إلى وساطة بين المصالح.
وإلى جانب هذه العوامل الخارجية، كانت الأحزاب نفسها تعاني من أعطاب داخلية عميقة. فقد دخل كثير منها العهد الجديد بقيادات عتيقة، وثقافة تنظيمية مغلقة، وضعف في الديمقراطية الداخلية، وحرص واضح على احتكار المواقع والمنافع. فالقيادة الحزبية، في كثير من الأحيان، لم تكن تداولية داخل الحزب، بل شبه دائمة، تحكمها الولاءات الشخصية، والتوازنات الداخلية، والخوف من صعود جيل جديد قد يهدد المواقع القديمة. وهكذا صار الحزب الذي يطالب الدولة بالديمقراطية عاجزًا عن ممارستها داخل بيته.
هذه المفارقة أضعفت المطلب الديمقراطي نفسه. فحين تطالب الأحزاب بتوسيع صلاحيات المؤسسات، بينما لا توسع المشاركة داخلها؛ وحين تنتقد التحكم، لكنها تمارس التحكم في لوائحها ومؤتمراتها؛ وحين تتحدث باسم الشعب، لكنها لا تجدد نخبها ولا تنصت لقواعدها؛ فإنها تمنح السلطة المركزية مبررًا إضافيًا للوصاية. وتصبح الدولة قادرة على القول، صراحة أو ضمنًا: كيف نمنح الأحزاب سلطة أكبر وهي عاجزة عن إنتاج نخب مؤهلة وديمقراطية وذات ثقة؟
لكن هذا التبرير، وإن كان يستند إلى جزء من الواقع، لا يعفي الدولة من مسؤوليتها. فضعف الأحزاب ليس طبيعيًا ولا بريئًا دائمًا، بل هو في جانب كبير منه نتيجة تاريخ طويل من التحكم، والتخطيط، والهندسة، والتقطيع، والتشجيع على الانشقاقات، واستعمال الإدارة، وتغذية الأعيان، وإضعاف السياسة لصالح التدبير. وحين تُضعف الدولة الأحزاب لعقود، ثم تحتج بضعفها لتبرير استمرار مركزية القرار، نكون أمام دائرة مغلقة: السلطة تُضعف الوسائط، ثم تقول إن الوسائط لا تصلح لحمل السلطة.
لذلك لم يكن الانتقال الديمقراطي في بداية عهد محمد السادس مجرد وعد مؤجل، بل كان محاطًا بشروط بنيوية تحد من قدرته على التحول إلى انتقال فعلي. فقد كان المطلوب، لو أُريد لهذا الانتقال أن ينجح، تفكيك إرث التقطيع الانتخابي، وتحرير المجال القروي من منطق الخزان الانتخابي، وتقليص دور المال السياسي، وعقلنة الخريطة الحزبية، وتجديد النخب، وفرض الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وربط التمويل العمومي بالشفافية والمحاسبة، وجعل الانتخابات طريقًا حقيقيًا إلى القرار لا مجرد طريق إلى المقاعد.
غير أن ما حدث في الغالب كان أقل من ذلك. فقد تحسنت لغة السياسة، وتراجعت بعض أشكال التدخل الفج، واتسع هامش المشاركة مقارنة بمراحل سابقة، لكن البنية العميقة لم تتغير بالقدر الكافي. بقيت الأحزاب ضعيفة، وبقي الناخب قليل الثقة، وبقيت الحكومة محدودة القدرة أمام الملفات الكبرى، وبقي القصر مركز المبادرة في السياسات الاستراتيجية. وهكذا نشأت ديمقراطية منخفضة الكثافة: فيها انتخابات، وتعددية، وأحزاب، وبرلمان، وحكومة؛ لكنها لا تجعل المواطن يشعر دائمًا أن صوته يغير مركز القرار أو يحدد الاختيارات الكبرى.
ومن هنا يصبح السؤال التقويمي حادًا: هل كان ضعف الأحزاب سببًا في استمرار مركزية القصر، أم كان استمرار مركزية القصر سببًا في بقاء الأحزاب ضعيفة؟ والجواب الأرجح أن الأمرين تغذيا معًا. فالأحزاب الضعيفة جعلت الدولة أكثر ميلًا إلى القيادة من أعلى، والدولة القوية من أعلى جعلت الأحزاب أقل قدرة على النمو من أسفل. وبين الأمرين ضاعت فرصة بناء حياة سياسية قوية، قادرة على تحويل التنمية إلى مشروع مجتمعي لا إلى برنامج تقوده الدولة وحدها.
لهذا لم يستطع المغرب أن ينتقل من التعددية العددية إلى التعددية السياسية الفعلية. ولم يستطع أن يحول الانتخابات، رغم انتظامها، إلى لحظة حاسمة في توزيع السلطة. ولم يستطع أن يجعل الحزب وسيطًا موثوقًا بين الدولة والمجتمع. فبقي المواطن ينظر إلى السياسة بقدر كبير من الشك، وبقيت الدولة تنظر إلى الأحزاب بقدر كبير من الحذر، وبقيت الديمقراطية معلقة بين خطاب المشاركة وواقع التحكم.
وهنا نصل إلى جوهر المعضلة: لا تنمية ديمقراطية من دون أحزاب قوية، ولا أحزاب قوية من دون مجال سياسي حر، ولا مجال سياسي حر من دون إرادة حقيقية لتقاسم القرار. فإذا كان العهد الجديد قد اختار التنمية بقيادة الدولة، فإن أحد أسباب ذلك كان ضعف السياسة الحزبية. لكن أحد نتائج هذا الاختيار أنه زاد من ضعف السياسة نفسها، لأن المواطن حين يرى أن القرار الحقيقي يوجد خارج الحزب والحكومة والبرلمان، يفقد ثقته في المشاركة، ويفقد الحزب قدرته على التأطير، وتتحول الانتخابات إلى موسم احتفالي أكثر مما تكون لحظة سيادية.
بهذا المعنى، لم يكن الانتقال الديمقراطي المغربي فاشلًا بالكامل، لكنه ظل محدودًا ومضبوطًا. لم يعد المغرب إلى سنوات الانغلاق القديمة، لكنه لم يدخل أيضًا في ديمقراطية كاملة الأثر. توسعت الواجهة التعددية، لكن ظل مركز القرار محكومًا بمنطق آخر. وهذا ما يجعل تقويم العهد الجديد سياسيًا يبدأ من هذه المفارقة: لقد أضعف إرث التحكم الأحزاب، ثم جاء مشروع التنمية بقيادة الدولة ليجعل ضعف الأحزاب أقل إزعاجًا للسلطة، لكنه أكثر كلفة على المجتمع.
ثانيًا: التناوب التوافقي
انتقال ديمقراطي أم إدماج مضبوط للمعارضة؟
لا يمكن فهم بداية العهد الجديد من دون التوقف عند تجربة التناوب التوافقي. فقد شكّلت حكومة عبد الرحمن اليوسفي، التي تشكلت في أواخر عهد الحسن الثاني واستمرت في بداية عهد محمد السادس، لحظة سياسية فارقة في تاريخ المغرب المعاصر. لأول مرة، تدخل المعارضة الاتحادية التاريخية إلى رئاسة الحكومة، لا من موقع الاحتجاج أو المواجهة، بل من موقع التدبير والمسؤولية. بدا الأمر، في ظاهره، انتقالًا هادئًا نحو حياة سياسية أكثر انفتاحًا، وكأنه إعلان عن نهاية زمن الصراع الحاد بين القصر والمعارضة الوطنية.
لكن التناوب التوافقي لم يكن انتقالًا ديمقراطيًا كاملًا بالمعنى الدقيق. فقد جاء بتوافق من أعلى، داخل شروط مضبوطة، وفي ظل دستور لا يمنح الحكومة سلطة تنفيذية كاملة، ولا يجعل الأغلبية البرلمانية مركز القرار السياسي. ولذلك كان التناوب، منذ بدايته، يحمل مفارقته الخاصة: هو من جهة إدماج للمعارضة في الحكم، ومن جهة أخرى إدماج لها داخل حدود الحكم كما رسمتها الملكية.
كانت المعارضة التاريخية قد وصلت إلى لحظة إنهاك سياسي وتنظيمي. فقد خاضت عقودًا من المواجهة والانتظار، ودفعت أثمانًا كبيرة في زمن الصراع مع الدولة، لكنها وجدت نفسها، في نهاية التسعينيات، أمام سؤال صعب: هل تستمر في المعارضة من الخارج، مع خطر العزلة والتآكل، أم تدخل إلى الحكومة وتقبل بإصلاح تدريجي من داخل المؤسسات؟ كان خيار اليوسفي تعبيرًا عن ترجيح الممكن على المثال، وعن قناعة بأن البلاد تحتاج إلى مصالحة سياسية، وأن الانتقال لا يمكن أن يتم بالصدام، بل بالتوافق.
ومن جانب الدولة، كان التناوب وسيلة ذكية لإعادة ترتيب المشهد السياسي. فقد منح الحكم صورة انفتاح، وطمأن جزءًا من النخبة والمجتمع، وفتح المجال أمام المعارضة لتحمل جزء من المسؤولية، لكنه لم يسلّمها مفاتيح القرار السيادي والاقتصادي والأمني. وبذلك تحقق قدر من الانفراج، من دون أن يحدث تحول عميق في ميزان السلطة.
هنا تكمن أهمية التمييز بين المشاركة في الحكومة والمشاركة في الحكم. فالحزب قد يشارك في الحكومة، لكنه لا يملك بالضرورة سلطة الحكم الفعلية. وقد يرأس المعارضة السابقة الجهاز الحكومي، لكن القرارات الكبرى في الأمن، والداخلية، والاستراتيجيات الاقتصادية، والسياسة الخارجية، والتعيينات، والتوازنات الكبرى للدولة، تبقى خارج المجال الحزبي. وهذا ما جعل تجربة التناوب تبدو، في نظر كثيرين، انتقالًا سياسيًا ناقصًا: فتحت الباب أمام المعارضة، لكنها لم تفتح كل أبواب القرار.
لقد لعب عبد الرحمن اليوسفي دورًا رمزيًا بالغ الأهمية. فقد كان رجلًا قادمًا من تاريخ وطني ونضالي، يحمل رصيدًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يملكه كثير من رجال الدولة التقليديين. ولذلك كان وجوده على رأس الحكومة رسالة إلى الداخل والخارج بأن المغرب يدخل مرحلة جديدة. لكن قوة الرمز لم تكن كافية لتغيير بنية النظام السياسي. فاليوسفي كان قويًا بمعناه الأخلاقي، لكنه كان محدودًا بصلاحياته الدستورية والسياسية. كان رئيس حكومة في بنية لا تجعل الحكومة مركز الثقل النهائي.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية التناوب. فقد ساهم في تخفيف الاحتقان السياسي، وفي إدخال لغة جديدة إلى الدولة، وفي توسيع هامش الحريات نسبيًا، وفي إعادة جزء من الثقة بين الحكم والمعارضة. كما أعطى للمغاربة إحساسًا بأن الصراع السياسي يمكن أن ينتقل من الشارع والسجون والمنافي إلى المؤسسات. وهذه لم تكن مسألة بسيطة في بلد خرج من عقود من التوتر.
غير أن التجربة حملت أيضًا كلفتها العميقة على المعارضة نفسها. فحين دخلت المعارضة إلى الحكومة من دون أن تملك سلطة القرار الكاملة، صارت مسؤولة أمام الناس عن نتائج لا تتحكم في كل أسبابها. وحين قبلت بمنطق التوافق، فقدت جزءًا من قدرتها على النقد. وحين تحولت من قوة احتجاجية إلى قوة تدبيرية، اكتشفت أن التدبير داخل سقف محدود قد يستهلك الرصيد الرمزي أسرع مما ينتج الإصلاح.
ومن هنا بدأ جزء من اليسار الوطني يفقد موقعه التاريخي. فقد كان قويًا حين كان يمثل الأمل في التغيير، لكنه ضعف حين صار جزءًا من تدبير لا يملك مفاتيحه كلها. دخل الحكومة برصيد نضالي، وخرج منها برصيد أقل، لأن المواطن العادي لا يميز دائمًا بين من يقرر ومن ينفذ، ولا بين سلطة الحكومة وسلطة الدولة العميقة. بالنسبة إليه، من يوجد في الحكومة يتحمل المسؤولية، حتى لو كانت صلاحياته محدودة.
وهذه المفارقة سترافق العهد الجديد كله. فالدولة تحتاج إلى الأحزاب لتأثيث المجال السياسي، لكنها لا تمنحها دائمًا ما يكفي من السلطة لتصبح مسؤولة فعلًا. والأحزاب تدخل الحكومة لتثبت نضجها، لكنها تكتشف أنها مسؤولة انتخابيًا عن سياسات لا تصنعها وحدها. والناخب يعاقب الأحزاب لأنها لم تغير الواقع، لكنه لا يجد في المقابل طريقًا واضحًا لمحاسبة مركز القرار الحقيقي.
بهذا المعنى، لم يكن التناوب التوافقي مجرد محطة تاريخية انتهت، بل كان نموذجًا مبكرًا لطريقة اشتغال الحياة السياسية في العهد الجديد: مشاركة حزبية تحت سقف ملكية تنفيذية قوية، إصلاح تدريجي دون انتقال كامل، انفتاح محسوب دون تفكيك جذري لآليات التحكم، ومسؤولية حكومية لا تقابلها دائمًا سلطة حكومية مكافئة.
وقد تجلى ذلك بوضوح بعد انتخابات 2002، حين لم يُعيَّن الوزير الأول من الحزب المتصدر للانتخابات، بل اختير إدريس جطو، وهو شخصية تكنوقراطية غير حزبية، لرئاسة الحكومة. كانت تلك اللحظة إشارة قوية إلى حدود التناوب وحدود المنطق الانتخابي نفسه. فقد فهمت الأحزاب، وفهم المواطنون معها، أن نتائج الانتخابات لا تكفي وحدها لتحديد من يقود الحكومة. وأن مركز القرار يحتفظ بحق ترتيب الخريطة التنفيذية وفق تقديراته الخاصة، حتى حين تكون الصناديق قد قالت شيئًا آخر.
كانت تلك اللحظة، من الناحية الرمزية، نهاية مبكرة لوهم الانتقال الديمقراطي الكامل. فلو كان التناوب طريقًا نحو جعل الانتخابات مصدرًا حاسمًا للسلطة التنفيذية، لكان من الطبيعي أن يفرز الاقتراع رئيس الحكومة من الحزب المتصدر. لكن تعيين شخصية تكنوقراطية أعاد التأكيد على أن المغرب يسير في نموذج مختلف: نموذج يعطي للأحزاب مكانًا داخل اللعبة، لكنه لا يجعلها متحكمة في قوانينها.
ومن هنا بدأ يتبلور نمط جديد: حكومة سياسية في الواجهة، وتدبير تكنوقراطي في العمق. الأحزاب تُستدعى للانتخابات والتحالفات والبرلمان، لكن الملفات الكبرى كثيرًا ما تُدار عبر رجال ثقة، ولجان، ومؤسسات استراتيجية، ومبادرات ملكية مباشرة. وبذلك لم تعد السياسة الحزبية مركز المشروع الوطني، بل أصبحت جزءًا من ديكوره المؤسسي، بينما انتقل مركز الفعل إلى دائرة أخرى أكثر قربًا من القصر ومن الإدارة العليا ومن النخب التقنية والاقتصادية المحيطة بالمؤسسة الملكية.
وقد بدا هذا الخيار، في نظر المدافعين عنه، منطقيًا وعمليًا. فالأحزاب ضعيفة، والصراعات الحزبية كثيرة، والنخب السياسية محدودة الكفاءة، والبلاد تحتاج إلى سرعة في القرار والإنجاز. لكن هذه الحجة، مهما بدت واقعية، تحمل خطرًا بعيد المدى: حين تُستبدل السياسة بالتقنية، والمساءلة بالكفاءة المفترضة، والاختيار الشعبي بالتدبير من أعلى، فإن الدولة قد تنجز بسرعة، لكنها تضعف المجتمع سياسيًا. وقد تربح فعالية مؤقتة، لكنها تخسر بناء الثقة والمؤسسات على المدى البعيد.
فالتكنوقراط قد ينجزون، لكنهم لا يمثلون. وقد يدبرون الملفات، لكنهم لا يخضعون للمحاسبة السياسية بالمعنى العميق. وقد يملكون خبرة تقنية، لكنهم لا يعوضون الحاجة إلى أحزاب وبرامج وتداول. وحين يصبح التكنوقراطي هو الحل الدائم لأزمة السياسة، فإن الرسالة الضمنية للمواطن تصبح واضحة: صوتك يختار من يرافق القرار، لا من يصنعه.
وهنا نصل إلى أحد أعمق آثار التناوب التوافقي: لقد أدخل المعارضة إلى الدولة، لكنه لم ينجح في إدخال الدولة إلى منطق التداول الديمقراطي الكامل. لقد صالح جزءًا من الذاكرة السياسية، لكنه لم يبنِ عقدًا سياسيًا جديدًا يجعل المسؤولية مرتبطة بالسلطة، والانتخابات مرتبطة بالقرار، والحكومة مرتبطة بالبرنامج الذي صوّت عليه المواطنون.
ومع مرور الوقت، تحولت المشاركة الحكومية إلى عبء على الأحزاب أكثر مما كانت مصدر قوة لها. فالأحزاب التي تدخل الحكومات تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن اختيارات لا تصنعها دائمًا، وإلى تحمل كلفة اجتماعية وسياسية لقرارات قد تأتي من خارجها، وإلى تبرير محدودية أثرها أمام ناخبين لا يرون فرقًا كبيرًا بين حكومة وأخرى. وهكذا يتآكل المعنى السياسي للانتخابات، لأن المواطن يرى أن الوجوه تتغير، والتحالفات تتبدل، لكن مركز الثقل يبقى في مكانه.
ومن هنا يمكن القول إن التناوب التوافقي كان محطة ضرورية، لكنه لم يتحول إلى انتقال ديمقراطي مكتمل. كان ضروريًا لأنه فتح الباب أمام مصالحة سياسية، وأخرج جزءًا من المعارضة من منطق القطيعة، وسمح بتدبير هادئ للحظة حساسة قبل وبعد انتقال العرش. لكنه لم يكتمل لأنه لم يغير قواعد السلطة بما يكفي، ولم يمنح الحكومة المنتخبة موقعًا حاسمًا، ولم يجعل صناديق الاقتراع مصدرًا فعليًا لترتيب القرار التنفيذي.
ولذلك فإن تقويم هذه التجربة ينبغي أن يكون مزدوجًا. لا يجوز إنكار قيمتها الرمزية والسياسية في لحظتها، كما لا يجوز المبالغة في وصفها كانتقال ديمقراطي كامل. لقد كانت جسرًا، لكنها لم تكن ضفة جديدة. كانت انفراجًا، لكنها لم تكن تحولًا بنيويًا. كانت مصالحة مع المعارضة، لكنها لم تكن مصالحة كاملة بين السلطة والاقتراع.
وهذا ما سيظهر لاحقًا في كل المحطات السياسية الكبرى: انتخابات منتظمة، حكومات متعاقبة، تعددية حزبية صورية، دستور جديد سنة 2011، لكن مع استمرار السؤال نفسه: هل الحكومة تحكم فعلًا؟ وهل البرلمان يراقب فعلًا؟ وهل الحزب الذي يفوز يستطيع أن ينفذ مشروعه فعلًا؟ وهل الناخب حين يصوت يغير السياسة العامة، أم يغير فقط ترتيب المشاركين في تدبيرها؟
بهذا المعنى، كان التناوب التوافقي إحدى العتبات المؤسسة للعهد الجديد، لكنه كشف منذ البداية حدود الانتقال الممكن داخل البنية القائمة. فقد حمل وعدًا بأن المعارضة يمكن أن تدخل الدولة لتغيرها من الداخل، غير أن التجربة أظهرت لاحقًا أن إدماج الأحزاب في الحكومة لا يعني بالضرورة نقل مركز القرار إليها.
ومن هنا يتضح أن الانتقال الديمقراطي المغربي لم يتعثر بسبب ضعف الأحزاب وحده، ولا بسبب حذر الدولة وحده، بل بسبب التقاء العاملين معًا: أحزاب قبلت المشاركة ضمن سقف محدود، ودولة فتحت الباب بقدر ما يسمح باستقرارها لا بقدر ما يسمح بتداول حقيقي للسلطة.
ولذلك فإن السؤال الذي يخرج من تجربة التناوب ليس: هل كان اليوسفي صادقًا أو مخطئًا؟ فهذا تبسيط ظالم لتجربة معقدة. السؤال الأعمق هو: هل كان التناوب التوافقي انتقالًا نحو ديمقراطية كاملة، أم كان آلية لإدماج المعارضة داخل نظام سياسي ظل محتفظًا بجوهر سلطته؟
والجواب، بعد ربع قرن، يبدو أكثر وضوحًا: لقد كان التناوب خطوة مهمة في الخروج من زمن الصدام، لكنه لم يكن كافيًا للدخول في زمن التداول.
ثالثا: الأحزاب السياسية بين الشرعية القانونية والمشروعية التمثيلية
تزداد أزمة الأحزاب تعقيدًا حين ننظر إليها من زاوية الفرق بين الشرعية والمشروعية. فالحزب قد يكتسب شرعيته القانونية بقرار إداري أو باعتراف مؤسساتي يسمح له بالعمل، وخوض الانتخابات، والاستفادة من التمويل العمومي، والمشاركة في المؤسسات. لكن هذه الشرعية القانونية لا تعني بالضرورة أنه يملك مشروعية تمثيلية حقيقية داخل المجتمع.
فالشرعية تُمنح من القانون والإدارة، أما المشروعية فتُكتسب من المجتمع. الشرعية تقول إن الحزب موجود في السجل السياسي، أما المشروعية فتسأل: من يمثل هذا الحزب فعلًا؟ كم عدد المنخرطين فيه؟ أين توجد قواعده؟ هل يؤطر المواطنين بين انتخابين؟ هل ينتج نخبة؟ هل يصوغ برامج من داخل المجتمع؟ هل يعبر عن فئات اجتماعية حقيقية، أم يعيش فقط في مواسم الانتخابات وعلى هامش القرب من السلطة والتمويل والمقاعد؟
ومن هنا تظهر مفارقة خطيرة في الحياة الحزبية المغربية. فقد توجد أحزاب كثيرة من حيث العدد القانوني، لكنها محدودة من حيث الامتداد الاجتماعي. وقد تتوفر على مقرات وأسماء وقيادات وتمثيل برلماني، لكنها لا تتوفر بالضرورة على قواعد حزبية واسعة ومنتظمة. وقد تشارك في الحكومة والبرلمان والجماعات، لكنها لا تستطيع أن تثبت دائمًا أنها تؤطر المواطنين أو تمثلهم تمثيلًا فعليًا.
وتتعمق هذه المفارقة حين لا يكون هناك تدقيق جدي ومنتظم في العضوية الحزبية، ولا مطالبة حقيقية للأحزاب بتقديم قوائم واضحة ومحينة لمنخرطيها، ولا ربط كافٍ بين الدعم العمومي وحجم التأطير الفعلي، والديمقراطية الداخلية، والشفافية المالية، وتجديد النخب. فإذا كانت الدولة تمنح الحزب شرعيته القانونية، فإن المجتمع هو وحده الذي يمنحه مشروعيته السياسية. لكن حين لا يُطلب من الحزب أن يثبت امتداده الاجتماعي، يصبح من الممكن أن يعيش كجهاز انتخابي فوق المجتمع، لا كجسم سياسي داخله.
وهنا يصبح السؤال حاسمًا: هل نملك أحزابًا تمثل المواطنين، أم أحزابًا مرخصًا لها بتمثيلهم؟ الفرق كبير بين الحالتين. فالحزب الذي يمثل المواطنين يستمد قوته من قواعده، ومصداقيته من نضاله، وبرنامجه من حاجات المجتمع، وقيادته من تداول داخلي. أما الحزب المرخص له بتمثيلهم فقد يكتفي بالوجود القانوني، وبالانتخابات، وبالتحالفات، وبالقرب من مراكز النفوذ، من دون أن يكون له حضور عضوي حقيقي في المجتمع.
وهذا الخلل لا يضعف الأحزاب وحدها، بل يضعف الديمقراطية نفسها. لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على وجود أحزاب متعددة، بل على وجود أحزاب ذات جذور اجتماعية، قادرة على التأطير، والتعبئة، والمساءلة، وإنتاج البدائل. أما حين تتحول الأحزاب إلى هياكل قانونية ضعيفة الامتداد، فإن الانتخابات تصبح منافسة بين علامات سياسية لا بين مشاريع مجتمعية، ويصبح البرلمان تجميعًا للمنتخبين أكثر منه تعبيرًا عن قوى اجتماعية منظمة.
ومن هنا، فإن أزمة المشروعية الحزبية ليست تفصيلًا تنظيميًا، بل جزء من أزمة الانتقال الديمقراطي كله. فكيف يمكن لحزب لا يملك قواعد واسعة أن يطالب بتوسيع سلطته؟ وكيف يمكن لمواطن لا يرى الحزب في حياته اليومية أن يثق فيه يوم الاقتراع؟ وكيف يمكن لدولة تحتج بضعف الأحزاب أن تواصل الاعتراف بها وتمويلها دون أن تطالبها بإثبات جدي لامتدادها الاجتماعي وديمقراطيتها الداخلية؟
إن الحزب، في النهاية، ليس ذكانا سياسيا، ولا لافتة قانونية، ولا وكالة انتخابية، ولا تجمعًا حول زعيم، بل مؤسسة وسيطة بين المجتمع والدولة. فإذا فقد هذا الدور، بقيت له الشرعية الإدارية، لكنه يفقد المشروعية السياسية. وحين تفقد الأحزاب مشروعيتها، لا يبقى أمام المواطن إلا أحد خيارين: الانسحاب من السياسة، أو البحث عن التعبير خارج المؤسسات. وكلا الخيارين مكلف للدولة والمجتمع معًا.
رابعا: أزمة الثقة: حين لا يرى المواطن صوته في السياسة
حين تضعف المشروعية التمثيلية للأحزاب، تكون النتيجة المباشرة هي أزمة الثقة. فالمواطن لا يفقد ثقته في حزب بعينه فقط، بل يفقد بالتدريج ثقته في السياسة كلها. وحين لا يرى فرقًا جوهريًا بين البرامج، ولا يشعر أن الأحزاب تنصت إليه خارج مواسم الانتخابات، ولا يلمس أن صوته يغير السياسات الكبرى، يصبح الامتناع عن المشاركة أو التصويت العقابي أو التصويت النفعي تعبيرًا عن أزمة أعمق من مجرد عزوف انتخابي.
فالعزوف ليس دائمًا لامبالاة. أحيانًا يكون موقفًا صامتًا من لعبة لا يراها المواطن منتجة للمعنى. فالناخب الذي لا يصوّت قد لا يكون غير مهتم بالشأن العام، بل قد يكون فقد الثقة في قدرة المؤسسات الحزبية والانتخابية على تحويل مطالبه إلى قرارات. وقد يكون مقتنعًا بأن الحكومة، أيًا كانت ألوانها، لن تملك وحدها سلطة تغيير الواقع. وقد يكون خبر، في حياته اليومية، أن الطريق إلى الحق لا يمر عبر الحزب والبرنامج والبرلمان، بل عبر الوساطة، والمعرفة، والقرب من الإدارة، والبحث الفردي عن النجاة.
وهنا يصبح الخطر أكبر من ضعف حزب أو سقوط حكومة. الخطر هو أن تنفصل السياسة عن المجتمع. فحين لا يجد المواطن نفسه في الأحزاب، ولا يجد أثرًا لصوته في القرار، ولا يجد علاقة واضحة بين الانتخابات والسياسات العمومية، تتحول الديمقراطية إلى طقس مؤسسي متكرر وممل، لا إلى تجربة مواطنة حية. وتصبح الانتخابات مناسبة لإعادة ترتيب النخب أكثر مما تكون لحظة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وقد ساهمت هشاشة الأحزاب في تكريس هذا الانفصال. فهي لا تؤطر المواطن بما يكفي، ولا تنتج غالبًا معرفة سياسية مبسطة تساعده على فهم السياسات العامة، ولا تشتغل بانتظام داخل الأحياء والقرى والجامعات والنقابات والجمعيات. كثير منها يستيقظ عند الاقتراع، ثم يغيب بعده. وكثير من المواطنين لا يعرفون الحزب إلا من خلال الملصق الانتخابي، أو الحملة القصيرة، أو المرشح المحلي، لا من خلال عمل تأطيري دائم.
ولذلك لا يكفي أن نسأل: لماذا يعزف المواطن عن السياسة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا قدمت السياسة للمواطن حتى يثق فيها؟ هل قدمت له أحزابًا تحترم ذكاءه؟ هل قدمت له برامج قابلة للمحاسبة؟ هل قدمت له نخبًا متجددة؟ هل قدمت له انتخابات يشعر بعدها أن القرار تغير؟ هل قدمت له مؤسسات تستطيع أن تواجه الفساد، والريع، والزبونية، وضعف الخدمات، أم قدمت له واجهة تنافسية ضمن لعبة مدروسة وسقف محدود؟
إن أزمة الثقة ليست مسؤولية الأحزاب وحدها. صحيح أن الأحزاب تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية بسبب ضعفها التنظيمي، وعجزها عن التجديد، وانغلاق قياداتها، وارتهان بعضها للأعيان والمال الانتخابي. لكن الدولة تتحمل بدورها مسؤولية لا تقل أهمية، لأنها ساهمت تاريخيًا في إضعاف الوسائط، وفي تحويل السياسة إلى مجال مراقب، وفي جعل القرار الاستراتيجي خارج متناول التنافس الحزبي. وحين يصبح الحزب ضعيفًا، ثم يُحمَّل وحده مسؤولية الضعف، نكون أمام قراءة ناقصة للمشكلة.
فالثقة لا تُبنى بالخطاب، بل بتجربة متكررة تثبت للمواطن أن مشاركته نافعة. يحتاج المواطن أن يرى أن صوته يمكن أن يصعد ببرنامج، وأن البرنامج يمكن أن يتحول إلى سياسة، وأن السياسة يمكن أن تُحاسب، وأن الفشل له ثمن، وأن النجاح يفتح باب الاستمرار. أما حين يرى أن الفائز لا يحكم، وأن الخاسر لا يخرج، وأن التحالفات تُصنع بعد الانتخابات أحيانًا ضد المعنى الذي صوّت من أجله الناس، فإن ثقته لا بد أن تتآكل.
ومن هنا، فإن ضعف المشاركة السياسية ليس مجرد رقم انتخابي، بل مؤشر على خلل في العلاقة بين المواطن والمؤسسة. وحين يتراجع الانخراط الحزبي، ويضعف الحماس الانتخابي، وتنتشر السخرية من السياسيين، ويتحول النقاش العام إلى غضب متقطع في الشارع أو على مواقع التواصل، فهذا يعني أن المجتمع لا يعيش فراغًا سياسيًا، بل يعيش سياسة بلا وسائط موثوقة.
وهذا ما يجعل الدولة نفسها أمام مأزق. فهي تحتاج إلى الأحزاب لكي تنظم المشاركة، وتحتاج إلى الانتخابات لكي تمنح الشرعية للمؤسسات، وتحتاج إلى البرلمان والحكومة لكي تُظهر التداول والتعددية. لكنها حين لا تمنح هذه الوسائط ما يكفي من سلطة ومعنى، تساهم في إضعافها. ثم حين تضعف الوسائط، تضطر الدولة إلى التدخل أكثر، فتزداد مركزية القرار، وتضعف السياسة أكثر. وهكذا تدور السياسة في حلقة مفرغة: ضعف الأحزاب يبرر مركزية الدولة، ومركزية الدولة تعمق ضعف الأحزاب.
إن الخروج من هذه الحلقة لا يكون بتكثير الأحزاب، ولا بتغيير أسماء التحالفات، ولا بتدوير النخب نفسها داخل مؤسسات مختلفة. بل يبدأ من إعادة الاعتبار لمعنى التمثيل: أن يعرف المواطن من يمثله، وأن يعرف الحزب من يمثل، وأن تعرف الدولة أن الوسائط القوية ليست خطرًا على الاستقرار، بل شرط له. فالاستقرار الذي يقوم على ضعف السياسة قد يبدو مريحًا في المدى القصير، لكنه يترك المجتمع بلا قنوات تعبير فعالة، وبلا أحزاب قادرة على امتصاص الغضب، وبلا نخب وسيطة تستطيع تحويل المطالب إلى سياسات، وهنا مكمن الخطر.
بهذا المعنى، فإن أزمة الثقة في الأحزاب ليست هامشًا في تقويم العهد الجديد، بل هي في صلبه. لأن العهد الذي اختار التنمية بقيادة الدولة، كان يحتاج في الوقت نفسه، إلى حياة سياسية قوية تراقب تلك التنمية، وتصحح مسارها، وتضمن وصول أثرها إلى المجتمع. لكن حين تكون الأحزاب ضعيفة، والمواطن فاقد الثقة، والقرار متمركزًا، تصبح التنمية نفسها أقل ديمقراطية، وأقل قابلية للمساءلة، وأكثر عرضة لأن تنتج مغربًا بسرعتين.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يختم هذا المحور لا يتعلق بالأحزاب وحدها، بل بمستقبل السياسة في المغرب كله: هل يمكن بناء تنمية عادلة بمؤسسات سياسية ضعيفة؟ وهل يمكن استعادة الثقة في الدولة من دون استعادة الثقة في الوسائط؟ وهل يمكن أن يشعر المواطن بأنه شريك في وطنه، إذا ظل يرى السياسة مجالًا مغلقًا، والأحزاب هياكل متشابهة، والانتخابات موسمًا لا يغير مركز القرار؟
إن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى انتخابات، بل إلى معنى. وحين تفقد الانتخابات معناها، تفقد السياسة روحها. وحين تفقد السياسة روحها، لا يبقى أمام الدولة إلا أن تدير المجتمع من أعلى، ولا يبقى أمام المواطن إلا أن ينتظر، أو يهاجر، أو يغضب، أو ينسحب في صمت.
خامسًا: التكنوقراط ومركزية القرار
حين تتقدم الكفاءة على التمثيل
إذا كان التناوب التوافقي قد كشف حدود الانتقال الديمقراطي، فإن المرحلة التي تلته أبرزت اتجاهًا آخر سيصبح أحد ملامح العهد الجديد: صعود التكنوقراط، واتساع قاعدة المستشارين، ودور الخبراء، واللجان، والمؤسسات الاستراتيجية، ورجال الثقة، على حساب السياسة الحزبية والتمثيل الانتخابي.
لم يأت هذا التحول من فراغ. فقد كان له ما يبرره في نظر الدولة. فالأحزاب بدت ضعيفة، متنازعة، محدودة الكفاءة، مثقلة بصراعاتها الداخلية، وعاجزة عن إنتاج نخب قادرة على تدبير المشاريع الكبرى بالسرعة والفعالية المطلوبتين. وكانت البلاد، في بداية العهد الجديد، تحتاج إلى قرارات سريعة في الاقتصاد، والاستثمار، والبنية التحتية، والسكن، والطاقة، والموانئ، والطرق، والبرامج الاجتماعية. ومن هنا بدا التكنوقراطي، في المخيال الرسمي، رجل المرحلة: أقل ارتباطًا بالصراع الحزبي، أكثر قدرة على التدبير، وأكثر قربًا من لغة الأرقام والمشاريع والنتائج.
غير أن صعود التكنوقراط لا يعني فقط اختيار كفاءات تقنية، بل يعكس فلسفة في الحكم. فحين تصبح الكفاءة التقنية أهم من الشرعية السياسية، وحين يصبح الخبير أقرب إلى القرار من المنتخب، وحين تتحول الملفات الكبرى إلى مجالات تدبير فوق حزبي، فإن معنى السياسة يتغير. لا تعود الحكومة مجرد تعبير عن أغلبية وبرنامج انتخابي، بل تصبح واجهة تدبيرية داخل شبكة أوسع من القرار، حيث تتداخل الملكية، والإدارة العليا، والمؤسسات العمومية، واللجان الخاصة، والفاعلون الاقتصاديون، والخبراء.
وهنا يجب التمييز بين الحاجة إلى الخبرة وبين تحويل الخبرة إلى بديل عن السياسة. فلا دولة حديثة تستطيع أن تدبر شؤونها من دون خبراء وتقنيين ومهندسين واقتصاديين وإداريين مؤهلين. بل إن ضعف الخبرة داخل الأحزاب أحد أسباب ضعفها. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الخبرة إلى مصدر شبه وحيد للقرار، وحين يصبح المنتخب مجرد مصادق أو مفسر أو حامل سياسي لاختيارات لم يصنعها. فالخبير يساعد السياسة، لكنه لا ينبغي أن يحل محلها؛ والتقنية تنير القرار، لكنها لا تمنحه وحدها المشروعية.
لقد وجد العهد الجديد في التكنوقراط وسيلة لتجاوز بطء الأحزاب وضعفها. وكان ذلك مفهومًا جزئيًا في مرحلة أولى. فالمغرب كان يحتاج إلى أوراش كبرى، وإلى إدارة ملفات معقدة، وإلى جذب الاستثمار، وإلى تحديث البنية التحتية، وإلى إخراج الدولة من بطء المساومات الحزبية. لكن ما كان ينبغي أن يكون علاجًا مؤقتًا لأزمة السياسة تحول مع الوقت إلى نمط شبه دائم في تدبير الدولة. وصار السؤال مطروحًا: هل نستعين بالتكنوقراط لتقوية القرار السياسي، أم نستعين بهم لتعويض السياسة نفسها؟
تظهر هذه المعضلة بوضوح في العلاقة بين الحكومة والملفات الاستراتيجية. فكلما تعلق الأمر بقطاع حاسم أو ورش كبير أو برنامج وطني، برزت المبادرة الملكية، أو اللجنة الخاصة، أو المؤسسة العمومية الكبرى، أو الوكالة المتخصصة، أو الشخصية التقنية القريبة من مركز القرار. أما الأحزاب والحكومة والبرلمان، فتجد نفسها في كثير من الأحيان أمام اختيارات جاهزة أو شبه جاهزة: تدافع عنها، أو تصادق عليها، أو تواكب تنفيذها، لكنها لا تصنع دائمًا فلسفتها الأولى.
ومن هنا نشأ نوع من الفصل غير المعلن بين مجالين: مجال السياسة الانتخابية، حيث تتنافس الأحزاب على المقاعد والتحالفات والمناصب والمصالح؛ ومجال السياسة الاستراتيجية، حيث تُصاغ التوجهات الكبرى خارج التنافس الحزبي المباشر. وهذا الفصل قد يمنح الدولة استمرارية وفعالية، لكنه يضعف معنى الانتخابات. فالمواطن حين يصوت لا يعرف بدقة ما الذي يمكن أن يتغير، وما الذي سيظل ثابتًا مهما تغيرت الحكومة. وحين لا يعرف المواطن أثر صوته في السياسات الكبرى، تتراجع ثقته في المشاركة.
وقد أدت مركزية القرار إلى نتيجة مزدوجة. من جهة، مكّنت الدولة من إطلاق مشاريع كبرى بسرعة نسبية، ومن تجنب تعطيل بعض الأوراش بسبب هشاشة التحالفات أو ضعف الأحزاب. ومن جهة أخرى، جعلت المسؤولية السياسية ملتبسة. فإذا نجح مشروع كبير نُسب غالبًا إلى الرؤية الملكية أو الدولة، وإذا فشل قطاع اجتماعي أو تعثر إصلاح، تحملت الحكومة والأحزاب جزءًا من الكلفة، حتى لو لم تكن تملك كل مفاتيح القرار. وهكذا تختل قاعدة أساسية في الديمقراطية: لا مسؤولية بلا سلطة، ولا سلطة بلا محاسبة.
ولذلك فإن التكنوقراطية، حين تتوسع فوق حدها، لا تضعف الأحزاب فقط، بل تضعف المحاسبة أيضًا. فالوزير التكنوقراطي قد يكون كفؤًا، لكنه لا يحمل دائمًا قاعدة حزبية تحاسبه. واللجنة الخاصة قد تنتج تقريرًا مهمًا، لكنها لا تخضع لمنطق التداول الانتخابي. والمؤسسة العمومية قد تنفذ مشروعًا ضخمًا، لكنها لا تُحاسب سياسيًا بالطريقة نفسها التي تُحاسب بها حكومة منتخبة. وهكذا ينتقل القرار إلى فضاءات أكثر فعالية أحيانًا، لكنها أقل خضوعًا للمساءلة السياسية المباشرة.
وهنا تبرز مفارقة العهد الجديد: لقد أراد تجاوز ضعف السياسة بالخبرة، لكنه لم ينجح دائمًا في تقوية السياسة نفسها. أراد أن يعوض بطء الأحزاب بسرعة الإدارة والمشاريع، لكنه بذلك جعل الأحزاب أقل قدرة على التعلم والنمو. أراد أن يحمي التنمية من الصراعات الحزبية، لكنه جعل التنمية أقل امتلاكًا من طرف المجتمع. فالسياسة، حتى حين تكون بطيئة ومزعجة، هي المجال الذي يتعلم فيه المجتمع الاختيار والمساءلة وتحمل النتائج. أما حين يُدار كل شيء من أعلى، فإن المجتمع قد يستفيد من بعض النتائج، لكنه لا يتعلم بالقدر نفسه كيف يشارك في صناعتها.
ولا يعني هذا أن التكنوقراط كانوا دائمًا مشكلة. فقد لعب كثير منهم أدوارًا مهمة في تحديث قطاعات حيوية، وفي تدبير أوراش اقتصادية ومؤسساتية، وفي إدخال لغة جديدة قائمة على الأهداف والمؤشرات والنجاعة. لكن السؤال التقويمي ليس: هل يحتاج المغرب إلى كفاءات تقنية؟ الجواب نعم. السؤال هو: تحت أي سلطة سياسية تعمل هذه الكفاءات؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يحاسب؟ وهل تكون الخبرة في خدمة برنامج اختاره المواطنون، أم في خدمة رؤية فوق انتخابية لا يملك المواطن سوى قبول نتائجها؟
إن الدول الحديثة تحتاج إلى توازن دقيق بين الكفاءة والتمثيل. فالتمثيل من دون كفاءة قد ينتج شعبوية وفشلًا في التدبير. والكفاءة من دون تمثيل قد تنتج إنجازًا بلا مشروعية كافية. أما الرهان الديمقراطي الناضج فهو أن تُنتج الأحزاب كفاءاتها، وأن تستعين الحكومات بالخبراء دون أن تتنازل لهم عن القرار السياسي، وأن تتحول الخبرة إلى أداة لخدمة الاختيار الشعبي لا إلى بديل عنه.
في الحالة المغربية، ظل هذا التوازن مختلًا في كثير من المراحل. فقد كان التكنوقراطي حاضرًا بقوة، والخبير قريبًا من مركز القرار، والمنتخب محدود التأثير في الملفات الكبرى. ومع مرور الوقت، ترسخت لدى جزء من المواطنين قناعة بأن السياسة الحزبية مجال للكلام والانتخابات، بينما القرار الحقيقي يوجد في مكان آخر. وهذه القناعة، سواء كانت دقيقة في كل التفاصيل أم لا، لها أثر سياسي خطير: إنها تضعف الإقبال على الأحزاب، وتزيد من العزوف، وتدفع الكفاءات الشابة إلى الابتعاد عن السياسة، لأنها لا ترى فيها طريقًا حقيقيًا إلى التأثير.
ومن هنا لا يمكن فصل صعود التكنوقراط عن أزمة الأحزاب. فضعف الأحزاب فتح الباب أمام التكنوقراط، وصعود التكنوقراط عمّق ضعف الأحزاب. وكلما قيل إن الأحزاب غير مؤهلة للحكم، زاد الاعتماد على غير الحزبيين. وكلما زاد الاعتماد على غير الحزبيين، قلّت فرصة الأحزاب في اكتساب تجربة حقيقية في الحكم. وهكذا أعيد إنتاج الحلقة نفسها: السياسة ضعيفة، لذلك نبحث عن بديل تقني؛ والبديل التقني ينجح أحيانًا في التدبير، لكنه يترك السياسة أضعف مما كانت.
وهنا يصبح سؤال التكنوقراط جزءًا من سؤال الديمقراطية والتنمية معًا. فإذا كانت التنمية تحتاج إلى كفاءة، فإن الديمقراطية تحتاج إلى تمثيل ومساءلة. وإذا اختارت الدولة الكفاءة دون تمثيل كافٍ، فقد تنجز بعض المشاريع، لكنها لا تبني بالضرورة عقدًا سياسيًا متينًا. وإذا اختارت التمثيل دون كفاءة، فقد ترضي الشكل الديمقراطي، لكنها تفشل في النتائج. أما الاختبار الحقيقي فهو: هل استطاع العهد الجديد أن يزاوج بينهما؟ هل بنى كفاءات حزبية؟ هل جعل الحكومة مركزًا فعليًا للتدبير؟ هل منح البرلمان قدرة حقيقية على الرقابة؟ أم ظل يميل، كلما تعقدت الملفات، إلى إخراجها من السياسة ووضعها في يد الخبرة القريبة من مركز القرار؟
إن التكنوقراطية ليست خطأ في ذاتها، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى فلسفة حكم غير معلنة. وحين يصبح السؤال في كل أزمة: من هو الخبير الذي سيدبر؟ بدل أن يكون: ما البرنامج الذي اختاره المواطنون؟ وما الحكومة التي ستحاسب؟ وما المؤسسة التي ستراقب؟ فإن الديمقراطية تفقد جزءًا من معناها، حتى لو ظلت الانتخابات قائمة.
لذلك فإن تقويم العهد الجديد لا ينبغي أن يكتفي بعدد المشاريع التي أطلقها التكنوقراط أو نجحت في عهدهم، بل ينبغي أن يسأل: هل ساعدوا على بناء مؤسسات سياسية أقوى، أم عوضوها؟ هل جعلوا الدولة أكثر نجاعة فقط، أم جعلوها أكثر مساءلة أيضًا؟ وهل كانت الكفاءة التقنية قاطرة مؤقتة نحو ديمقراطية أكثر فعالية، أم أصبحت بديلًا طويل الأمد عن السياسة؟
بهذا المعنى، يمثل صعود التكنوقراط أحد وجوه معادلة العهد الجديد: دولة تريد أن تنجز بسرعة، وأحزاب لا تملك دائمًا القدرة أو الثقة، ومواطن ينتظر النتائج لكنه يريد أيضًا أن يرى لصوته أثرًا. وبين هذه العناصر الثلاثة تشكل نموذج سياسي خاص: نموذج لا يلغي الانتخابات، لكنه لا يجعلها دائمًا مركز القرار؛ لا يلغي الأحزاب، لكنه لا يضعها دائمًا في قلب السلطة؛ لا يرفض الديمقراطية، لكنه يؤجل جزءًا من مفاعيلها باسم النجاعة والتنمية والاستقرار.
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يقودنا إلى المحور التالي: إذا كانت الدولة قد فضّلت، في كثير من الملفات، مركزية القرار والخبرة التقنية، فكيف انعكس ذلك على الجهوية واللاتمركز؟ هل اقترب القرار فعلًا من المواطن، أم اقتربت الإدارة وحدها؟ وهل كانت الجهوية المتقدمة خطوة نحو توزيع السلطة، أم صيغة جديدة لتنظيم حضور المركز داخل المجال؟
سادسًا: النقابات والوسائط الاجتماعية
من قوة الضغط إلى تدبير الاحتواء
لم تكن الأحزاب وحدها هي التي فقدت جزءًا من قوتها التمثيلية خلال العقود الأخيرة. فقد عرفت النقابات بدورها تراجعًا واضحًا في قدرتها على التأطير والضغط والتفاوض، بعدما كانت، في مراحل سابقة، إحدى أهم الوسائط بين الدولة والمجتمع، وخصوصًا في علاقة الدولة بالطبقة العاملة، والوظيفة العمومية، والتعليم، والصحة، والقطاعات الإنتاجية الكبرى.
فالنقابة، في أصل وظيفتها، ليست مجرد جهاز مطلبي يرفع شعارات الأجور والترقيات، بل مؤسسة اجتماعية وسيطة تنظم الاحتجاج، وتحوّله من غضب عفوي إلى تفاوض منظم، وتمنح الفئات الشغيلة صوتًا داخل المجال العام. وحين تكون النقابات قوية ومستقلة وذات قاعدة اجتماعية حقيقية، فإنها لا تهدد الاستقرار، بل تحميه من الانفجار؛ لأنها تمنح المجتمع قناة للتعبير، وتمنح الدولة مخاطبًا واضحًا، وتحوّل الصراع الاجتماعي إلى تفاوض قابل للإدارة.
غير أن العهد الجديد ورث نقابات خرجت بدورها من عقود من الصراع والتدبير الأمني والسياسي. فقد كانت النقابات في مراحل سابقة مرتبطة بقوة بالأحزاب، وبخاصة أحزاب الحركة الوطنية واليسار، وكانت الإضرابات والمسيرات والاحتجاجات الاجتماعية تحمل في كثير من الأحيان مضمونًا سياسيًا يتجاوز المطالب المهنية المباشرة. ولذلك نظرت الدولة طويلًا إلى النقابات لا بوصفها فقط شريكًا اجتماعيًا، بل بوصفها قوة ضغط يمكن أن تتحول إلى رافعة سياسية للمعارضة.
ومع مرور الوقت، تغير موقع النقابات. فمن جهة، تراجعت القاعدة العمالية المنظمة بفعل تحولات الاقتصاد، وانتشار الهشاشة، وضعف التصنيع الواسع، واتساع القطاع غير المهيكل، وتبدل بنية الشغل. ومن جهة أخرى، تراجع الارتباط العضوي بين النقابات والمجتمع، كما تآكلت صورتها لدى جزء من المواطنين بسبب الصراعات الداخلية، وشيخوخة القيادات، وتعدد المركزيات، وتسييس بعض المواقف، وارتباط بعضها بالحسابات الحزبية أو بالمساومات القطاعية الضيقة.
كما ساهمت الدولة، بوعي أو بغير وعي، في إضعاف الدور النقابي عبر تحويل الحوار الاجتماعي إلى آلية موسمية أو ظرفية، لا إلى مؤسسة دائمة لإنتاج التوافقات الاجتماعية. فالحوار الاجتماعي كان يشتغل غالبًا تحت ضغط الاحتقان، أو قرب المحطات الانتخابية، أو عند الحاجة إلى تمرير إصلاحات حساسة، أكثر مما كان يشتغل بوصفه آلية منتظمة لصناعة السياسات الاجتماعية. وبذلك تحول التفاوض أحيانًا إلى تدبير للاحتجاج لا إلى بناء لتعاقد اجتماعي.
وهنا يظهر الفرق بين الاعتراف بالنقابات وامتلاكها وزنًا فعليًا. فقد ظلت النقابات موجودة قانونيًا ومؤسساتيًا، وشاركت في جولات الحوار الاجتماعي، وحافظت على حضورها في بعض القطاعات، لكنها لم تعد دائمًا قادرة على فرض توازن حقيقي في مواجهة الدولة أو أرباب العمل أو منطق السوق. صارت قادرة على الاعتراض، لكنها أقل قدرة على تعديل الاختيارات الكبرى. قادرة على التعبئة القطاعية، لكنها أقل قدرة على صياغة مشروع اجتماعي شامل.
وتعمقت هذه الأزمة بفعل تفتيت المشهد النقابي نفسه. فكما عرف المجال الحزبي تعددية واسعة وضعيفة الأثر، عرف المجال النقابي بدوره تعددًا في المركزيات والتمثيليات، أضعف القدرة على بلورة موقف اجتماعي موحد. وحين تتعدد النقابات دون أن تتوسع القاعدة الاجتماعية المنظمة، فإن النتيجة لا تكون دائمًا تعددية حقيقية، بل أحيانًا تشتتًا تفاوضيًا تستفيد منه الدولة وأرباب العمل معًا. فالمخاطب الاجتماعي الضعيف أو المتعدد أو المتنافس يسهل احتواؤه أكثر مما يسهل التفاوض الجدي معه.
كما أن النقابات لم تنجُ من الأعطاب نفسها التي أصابت الأحزاب: ضعف الديمقراطية الداخلية، طول بقاء القيادات، صعوبة تجديد النخب، هيمنة الحسابات التنظيمية، وتراجع الجاذبية لدى الشباب. فكما صار كثير من الشباب ينظر إلى الحزب بوصفه مجالًا مغلقًا لا يصنع القرار، صار ينظر إلى النقابة بوصفها جهازًا قديمًا لا يعبر بالضرورة عن أشكال الشغل الجديدة، ولا عن الهشاشة الحديثة، ولا عن العاملين في الاقتصاد الرقمي، ولا عن العاطلين، ولا عن الشباب الذين ينتقلون بين عقود مؤقتة ومهن غير مستقرة.
وهنا تكمن إحدى مفارقات العهد الجديد. فقد انتقل المغرب إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنوعًا، لكنه لم يبنِ بالقدر نفسه وسائط اجتماعية حديثة قادرة على حماية الإنسان داخل هذا الاقتصاد. توسعت المقاولة، والاستثمار، والقطاع الخاص، والمناولة، والعمل المؤقت، والخدمات، لكن النقابة بقيت في كثير من الأحيان مرتبطة بصورة الموظف العمومي أو العامل التقليدي، بينما خرجت فئات واسعة من الشغل الهش وغير المهيكل من مجال التمثيل النقابي الفعلي.
وبذلك لم يعد السؤال الاجتماعي يمر دائمًا عبر النقابات. صار يخرج أحيانًا في شكل احتجاجات محلية، أو حركات مطلبية قطاعية، أو تنسيقيات مستقلة، أو حملات رقمية، أو غضب متفرق في الشارع ومواقع التواصل. وهذا التحول بالغ الدلالة؛ لأنه يعني أن المجتمع لا يتوقف عن الاحتجاج حين تضعف النقابات، بل يحتج خارجها. وحين يخرج الاحتجاج من الوسائط المنظمة، يصبح أكثر عفوية، وأقل قابلية للتفاوض، وأكثر عرضة للتوتر وسوء الفهم والاحتواء الأمني أو الإعلامي.
لذلك فإن إضعاف النقابات، أو تركها تضعف، ليس مكسبًا للدولة على المدى البعيد. فقد يبدو أن الدولة ترتاح حين لا تواجه نقابات قوية، كما ترتاح حين لا تواجه أحزابًا قوية، لكنها في الحقيقة تفقد بذلك شركاء اجتماعيين قادرين على تنظيم المطالب وتحمل مسؤولية التفاوض. فالمجتمع بلا وسائط لا يصبح أكثر هدوءًا، بل يصبح أقل قابلية للقراءة. والغضب بلا قناة لا يختفي، بل يتراكم في العمق حتى يظهر في لحظات مفاجئة.
ومن هنا فإن أزمة النقابات جزء من أزمة النموذج السياسي والاجتماعي كله. فإذا كانت الأحزاب تمثل الوساطة السياسية، فإن النقابات تمثل الوساطة الاجتماعية. وحين تضعف الوساطتان معًا، تصبح العلاقة بين الدولة والمواطن مباشرة ومتوترة: دولة تقرر من أعلى، ومواطن يشتكي أو يحتج من أسفل، وبينهما فراغ وسائطي لا تملؤه لا الأحزاب ولا النقابات ولا المجالس المنتخبة بما يكفي.
وقد ساهم هذا الفراغ في جعل سؤال التنمية أكثر هشاشة. فالتنمية التي لا تواكبها نقابات قوية قد تنجح في رفع بعض المؤشرات، لكنها قد تفشل في حماية العامل، وضمان شروط الشغل الكريم، وتوزيع ثمار النمو، ومراقبة أثر الإصلاحات على الفئات الهشة. وحين يُدفع الناس إلى قبول الإصلاحات باسم النجاعة دون أن يكون لهم صوت تفاوضي قوي، تتحول التنمية إلى عملية فوقية يشعر المواطن أنه يتحمل كلفتها أكثر مما يشارك في صياغتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تراجع النقابات عن صعود التنسيقيات والاحتجاجات القطاعية الجديدة. فظهور تنسيقيات الأساتذة، والأطر، وبعض الفئات المهنية، ليس مجرد تفصيل تنظيمي، بل مؤشر على أن النقابات التقليدية لم تعد دائمًا قادرة على تمثيل التحولات الجديدة في المجتمع. وكلما شعر العامل أو الموظف أو الشاب أن النقابة لا تعبر عنه، بحث عن قناة بديلة، ولو كانت ظرفية ومحدودة وأقل خبرة في التفاوض.
وهنا تظهر معضلة أخرى: التنسيقيات قد تكون تعبيرًا حيًا عن غضب اجتماعي حقيقي، لكنها لا تملك دائمًا بنية مؤسساتية طويلة النفس، ولا خبرة تفاوضية كافية، ولا رؤية اجتماعية شاملة تتجاوز الملف القطاعي. وهكذا يجد المغرب نفسه بين نقابات تقليدية ضعيفة الثقة، وتنسيقيات جديدة قوية الغضب لكنها محدودة البناء. وبين الطرفين، تبقى الدولة هي الفاعل الأقوى، لكنها تواجه مجتمعًا أقل انتظامًا وأكثر قابلية للانفجار المتقطع.
إن النقابات، مثل الأحزاب، لا تُقاس فقط بعددها أو بوجودها القانوني، بل بقدرتها على التأطير، والتمثيل، والتفاوض، وتجديد النخب، وربط المطالب المهنية بسؤال العدالة الاجتماعية. فإذا فقدت هذه القدرة، بقيت شرعيتها القانونية، لكنها تفقد شيئًا من مشروعيتها الاجتماعية. وحين تفقد النقابات مشروعيتها، لا يعود الحوار الاجتماعي حوارًا بين دولة ومجتمع منظم، بل يصبح تفاوضًا بين أجهزة محدودة التمثيل، أو إدارةً ظرفيةً للاحتقان.
ومن هنا فإن تقويم العهد الجديد لا ينبغي أن يقف عند سؤال الأحزاب فقط، بل ينبغي أن يسأل أيضًا: ماذا حدث للنقابات؟ هل تحولت إلى شريك اجتماعي قوي في بناء النموذج التنموي، أم تراجعت إلى موقع دفاعي محدود؟ هل ساعدتها الدولة على أن تكون وسيطًا قويًا ومسؤولًا، أم تعاملت معها بوصفها مصدر إزعاج ينبغي احتواؤه؟ وهل قامت النقابات نفسها بما يكفي لتجديد خطابها ونخبها وأساليب عملها، أم بقيت أسيرة ماضيها التنظيمي والسياسي؟
إن الديمقراطية ليست فقط انتخابات وأحزابًا، بل هي أيضًا قدرة المجتمع على تنظيم مصالحه والدفاع عنها عبر مؤسسات وسيطة. لذلك فإن إضعاف النقابات، مثل إضعاف الأحزاب، يؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها: مجتمع أقل تمثيلًا، ودولة أكثر مركزية، وتنمية أقل خضوعًا للمساءلة الاجتماعية.
وبهذا المعنى، فإن أزمة النقابات تكمل أزمة الأحزاب. فالأحزاب الضعيفة تجعل السياسة بلا تمثيل قوي، والنقابات الضعيفة تجعل المجتمع بلا تفاوض قوي. وإذا اجتمع ضعف السياسة وضعف التفاوض، فإن التنمية تصبح مشروعًا تقوده الدولة أكثر مما يملكه المجتمع. وهنا تتضح مرة أخرى معادلة “مغرب بسرعتين”: مغرب المشاريع والقرارات من أعلى، ومغرب المطالب والانتظارات من أسفل، وبينهما وسائط عاجزة عن وصل السرعتين في عقد اجتماعي متوازن.
سابعًا: المجتمع المدني
من تعويض الفراغ الوسائطي إلى جمعيات بلا أثر
بعد تراجع الدور التاريخي للأحزاب والنقابات، حاول العهد الجديد أن يفتح مجالًا آخر للتعبير والتأطير والمشاركة، هو مجال المجتمع المدني. وقد بدا هذا الاختيار، في بدايته، منسجمًا مع لغة المرحلة الجديدة: القرب من المواطن، التنمية البشرية، محاربة الفقر والهشاشة، الإنصات للفئات المهمشة، وتشجيع المبادرات المحلية. فبدل أن تمر كل المطالب عبر الحزب أو النقابة، يمكن للجمعية أن تكون قناة أقرب إلى الناس، وأكثر مرونة، وأقدر على الاشتغال الميداني في الحي والقرية والمدرسة والمرأة والطفل والشباب والإعاقة والبيئة والتنمية المحلية.
لكن هذا التحول لم يكن بريئًا من الإشكال. فقد جاء في سياق تراجع الوسائط التقليدية، لا في سياق قوتها. ولذلك لم يظهر المجتمع المدني فقط بوصفه إضافة إلى الأحزاب والنقابات، بل ظهر أحيانًا كبديل عنها أو كآلية لتعويض فراغها. وحين يصبح المجتمع المدني بديلًا عن السياسة والتفاوض الاجتماعي، لا مجرد رافد لهما، فإن وظيفته تتغير: من فضاء مستقل لتنظيم المبادرة المجتمعية، إلى مجال يمكن أن يتحول إلى أداة لتدبير القرب، وامتصاص المطالب، وتوزيع الدعم، وصناعة ولاءات محلية جديدة.
لقد عرف المغرب، في عهد محمد السادس، توسعًا كبيرًا في عدد الجمعيات. وهذه الظاهرة تحمل وجهين. فمن جهة، هي تعبير عن حيوية مجتمعية حقيقية، وعن رغبة قطاعات واسعة من المواطنين في الاشتغال خارج الأطر الحزبية والنقابية التقليدية. فقد ظهرت جمعيات جادة في مجالات التعليم غير النظامي، ومحو الأمية، والإعاقة، والمرأة، والتنمية القروية، والبيئة، والحقوق، والثقافة، والشباب، والتضامن. وكثير من هذه الجمعيات قام بأعمال ميدانية لا يمكن إنكارها، أحيانًا بإمكانات محدودة وبروح تطوعية عالية.
لكن، من جهة أخرى، أدى هذا الانفجار الجمعوي إلى ظهور عدد كبير من الجمعيات الهشة أو الموسمية أو الشبحية، التي لا تقوم بعمل مجتمعي جدي ومؤثر، لكنها توجد على الورق، وتحضر عند توزيع الدعم، وتغيب عند تقييم الأثر. وهكذا صار المجال الجمعوي، في حالات كثيرة، يعاني من المفارقة نفسها التي عرفتها الأحزاب: كثرة في العدد، وضعف في الفاعلية؛ شرعية قانونية، ومشروعية مجتمعية محدودة؛ حضور إداري، وغياب ميداني.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتحول الجمعية من مبادرة مدنية مستقلة إلى ذراع محلية للسلطة أو المنتخب أو شبكة المصالح. فبعض الجمعيات وُلدت فعلًا من حاجات المجتمع، وبعضها وُلد من حاجات التمويل والدعم والقرب من القرار. وبعضها اشتغل في الميدان، وبعضها اشتغل في المناسبات. وبعضها جعل من العمل المدني خدمة عمومية تطوعية، وبعضها جعله طريقًا إلى الوجاهة، أو الانتخابات، أو الاستفادة من الموارد، أو بناء شبكة نفوذ محلي.
وهنا يظهر الوجه الآخر للتحكم. فكما يمكن التحكم في الحزب عبر التقطيع والتمويل والأعيان، ويمكن احتواء النقابة عبر الحوار الموسمي والتعدد والتجزئة، يمكن أيضًا التحكم في المجتمع المدني عبر الترخيص، والدعم، والشراكات، والقرب من السلطة المحلية، والانتقاء في التمويل، والتمييز بين الجمعيات المرغوب فيها والجمعيات المزعجة. وبهذا لا يعود المجتمع المدني دائمًا فضاءً مستقلًا بين الدولة والمجتمع، بل يصبح في حالات كثيرة مجالًا مراقبًا، أو موجهًا، أو محتوى، خاصة على المستوى المحلي.
فالدعم العمومي للجمعيات، حين لا يخضع لمعايير شفافة وصارمة، قد يتحول إلى أداة للفرز السياسي والاجتماعي. والجمعية التي تحصل على الدعم دون تقييم حقيقي لأثرها قد تصبح عبئًا على العمل المدني بدل أن تكون رافعة له. والجمعيات القريبة من السلطة أو من المنتخبين المحليين قد تحظى بامتيازات لا تحصل عليها جمعيات جادة لكنها مستقلة أو ناقدة. وحين يحدث ذلك، لا يعود المجتمع المدني مجالًا للمبادرة الحرة، بل يتحول إلى سوق رمزية للولاء والقرب والانتفاع.
ولا يعني ذلك إدانة المجتمع المدني كله. فمثل هذا الحكم سيكون ظالمًا للتجارب الجادة التي حملت، في صمت، أعباء اجتماعية وتنموية وثقافية كبيرة. فقد عوضت جمعيات كثيرة ضعف الدولة في مجالات حساسة، وقدمت خدمات للفئات الهشة، ورافعت من أجل قضايا عادلة، ونبهت إلى اختلالات، وخلقت أشكالًا جديدة من التضامن المحلي. غير أن وجود هذه التجارب الجادة لا يلغي وجود اختلال بنيوي: غياب غربلة حقيقية، وضعف التقييم، وخلط بين الجمعية كفاعل مدني والجمعية كوسيط للتمويل أو الوجاهة أو النفوذ.
وهنا تطرح إشكالية عميقة: هل المجتمع المدني في المغرب كان مجالًا لبناء مواطنة مستقلة، أم مجالًا إضافيًا لإدارة المجتمع من أسفل؟ هل أُريد للجمعيات أن تكون قوة اقتراح ورقابة ومبادرة، أم أن جزءًا منها تحول إلى أداة لتخفيف الضغط عن الدولة دون مساءلتها؟ وهل ساهمت الجمعيات في تعميق المشاركة، أم ساهم تكاثرها غير المنظم في تشتيت المبادرة وإضعاف المعنى الحقيقي للعمل المدني؟
إن المجتمع المدني لا يكون قويًا بعدد الجمعيات، بل بجودة أثرها واستقلاليتها وشفافيتها وقدرتها على تمثيل حاجات حقيقية. فكما لا تكفي كثرة الأحزاب لبناء ديمقراطية حزبية، ولا تكفي كثرة النقابات لبناء تفاوض اجتماعي قوي، لا تكفي كثرة الجمعيات لبناء مجتمع مدني فعلي. العبرة ليست بعدد الملفات القانونية، بل بعدد المبادرات المؤثرة؛ ليست بعدد الأنشطة المصورة، بل بما تغير في حياة الناس؛ ليست بعدد الشراكات، بل بمدى استقلالية الفاعل المدني وقدرته على قول الحقيقة، لا فقط تنفيذ ما يُطلب منه.
وقد ساهمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بما فتحته من إمكانات تمويل وشراكة، في إعطاء دفعة كبرى للعمل الجمعوي المحلي. لكنها في الوقت نفسه كشفت أحد أعطاب المجال: ضعف القدرة على التمييز بين الجمعيات الجادة والجمعيات الموسمية، وبين المبادرة المجتمعية الحقيقية والمشروع الورقي، وبين العمل المدني المستقل والعمل القريب من شبكات السلطة المحلية أو المنتخبين. وهكذا وجدت الدولة نفسها، مرة أخرى، أمام مفارقة مألوفة: تريد إشراك المجتمع، لكنها تخاف من استقلاله؛ تريد جمعيات نشيطة، لكنها تفضل كثيرًا جمعيات غير مزعجة؛ تريد القرب من المواطن، لكنها تدير هذا القرب عبر قنوات قابلة للضبط.
ومن هنا فإن المجتمع المدني، كما تشكل في العهد الجديد، يعكس جزءًا من فلسفة المرحلة: تعويض ضعف السياسة بمبادرات القرب، وتعويض ضعف النقابات بحوار اجتماعي متقطع، وتعويض ضعف الأحزاب بجمعيات محلية وتنموية. لكن تعويض الوسائط لا يعني بناء وساطة حقيقية. فالوساطة الحقيقية تحتاج إلى استقلال، وتمثيل، وشفافية، ومساءلة، وقدرة على النقد، لا إلى مجرد وجود قانوني أو دعم مالي أو أنشطة موسمية.
إن أخطر ما في الجمعيات الشبحية ليس فقط أنها تهدر المال العام أو تضعف ثقة المواطنين في الدعم العمومي، بل أنها تسيء إلى فكرة المجتمع المدني نفسها. فهي تجعل المواطن يشك في كل عمل جمعوي، وتضع الجمعيات الجادة في موضع الشبهة، وتخلق طبقة محلية من الوسطاء الذين يتحدثون باسم المجتمع دون أن يمثلوا المجتمع فعلًا. وبهذا يتكرر الخلل نفسه الذي رأيناه في الأحزاب: هياكل تتكلم باسم الناس، دون أن تكون دائمًا متجذرة فيهم.
لذلك فإن تقويم المجتمع المدني في العهد الجديد ينبغي أن ينطلق من سؤال واضح: هل ساعد هذا المجتمع المدني على بناء مواطنة مستقلة، أم ساهم، في جزء منه، في إعادة إنتاج التحكم بأدوات ناعمة؟ هل كان امتدادًا لحيوية المجتمع، أم امتدادًا لتدبير الدولة للمجتمع؟ وهل تحولت الجمعيات إلى قوة رقابة واقتراح ومساءلة، أم إلى مقاولات صغيرة للدعم والأنشطة والمناسبات؟
إن الدولة الحديثة تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، لا إلى مجتمع مدني تابع. تحتاج إلى جمعيات مستقلة تراقب وتقترح وتخدم وتنتقد، لا إلى جمعيات تنتظر الإشارة والدعم والرضا المحلي. والمجتمع بدوره يحتاج إلى جمعيات جدية تعيد بناء الثقة في العمل الجماعي، لا إلى جمعيات ورقية تزيد من إحباطه. فإذا كانت الأحزاب الضعيفة تضعف السياسة، والنقابات الضعيفة تضعف التفاوض، فإن الجمعيات الشبحية تضعف المجتمع نفسه، لأنها تجعل العمل المدني مجالًا للشك بدل أن يكون مجالًا للثقة.
وبهذا المعنى، فإن المجتمع المدني لم يعالج أزمة الوساطة بقدر ما كشف وجهًا آخر منها. فقد أتاح مجالًا لمبادرات نافعة، لكنه لم يتحول دائمًا إلى قوة مجتمعية مستقلة. ووسع عدد الفاعلين، لكنه لم يضمن جودة التمثيل والأثر. وقرّب بعض الخدمات من المواطنين، لكنه لم يقرّب بالضرورة القرار منهم. وهنا نعود إلى سؤال العهد الجديد كله: هل كان المطلوب إشراك المجتمع، أم تدبير المجتمع؟ وهل تحولت المشاركة إلى سلطة مجتمعية حقيقية، أم بقيت في كثير من الأحيان مشاركة تحت سقف الدعم والرقابة والاحتواء؟
ومن هنا يصبح الانتقال إلى الجهوية واللاتمركز طبيعيًا. فإذا كانت الأحزاب والنقابات والجمعيات قد كشفت أزمة الوسائط السياسية والاجتماعية والمدنية، فإن الجهوية ستكشف أزمة الوساطة الترابية: هل اقترب القرار من المواطن فعلًا، أم اقتربت الإدارة فقط؟ وهل صارت الجهة فضاءً للمشاركة والتنمية، أم إطارًا جديدًا لتنظيم حضور المركز داخل المجال؟
ثامنًا: الجهوية واللاتمركز
هل اقترب القرار من المواطن أم اقتربت الإدارة فقط؟
بعد الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، نصل إلى الوساطة الترابية: الجهة، والجماعة، والإدارة المحلية، وعلاقة المركز بالمجال. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بما يقع في البرلمان والحكومة، ولا بما تفعله الأحزاب والنقابات والجمعيات، بل تُقاس أيضًا بمدى قدرة المواطن على أن يجد القرار قريبًا منه، مفهومًا لديه، قابلًا للتأثير والمساءلة.
لقد ظل سؤال الجهوية حاضرًا في المغرب منذ عقود، لكنه أخذ في عهد محمد السادس معنى جديدًا. لم يعد الأمر يتعلق فقط بتقسيم إداري أو بتدبير ترابي تقني، بل صار الحديث عن الجهوية جزءًا من خطاب أوسع حول التنمية، والعدالة المجالية، وتقريب القرار من المواطن، وتجاوز الفوارق بين المركز والهامش. وفي هذا السياق، برز مفهوم الجهوية المتقدمة بوصفه وعدًا بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجال، وبين المركز والجهات، وبين الإدارة والمنتخبين.
غير أن هذا الوعد اصطدم منذ البداية بسؤال جوهري: هل الجهوية تعني نقل جزء من السلطة إلى الجهات، أم تعني فقط تحسين قدرة المركز على تدبير المجال؟ هذا هو الفرق الحاسم بين اللامركزية واللاتمركز. فاللامركزية تعني أن تصبح للهيئات المنتخبة صلاحيات حقيقية، وموارد مالية كافية، وقدرة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة أمام المواطنين. أما اللاتمركز فيعني أن تنقل الدولة جزءًا من صلاحياتها الإدارية إلى ممثليها الترابيين، من ولاة وعمال ومصالح خارجية، دون أن يتغير جوهر مركزية القرار السياسي والمالي.
في الحالة المغربية، ظل المسار متأرجحًا بين هذين المنطقين. فمن جهة، جرى توسيع الحديث عن الجهة، والمجالس المنتخبة، والتنمية الترابية، والبرامج الجهوية، والعدالة المجالية. ومن جهة أخرى، ظل القرار الحاسم في كثير من الملفات مرتبطًا بالمركز: التمويل، التأشير، التوجيه، البرامج الكبرى، المشاريع الاستراتيجية، توزيع الموارد، وترتيب الأولويات. وهكذا اقتربت الإدارة من المواطن أكثر مما اقترب القرار منه.
وهذا الفرق ليس تفصيلًا لغويًا. فأن تقترب الإدارة من المواطن يعني أن يحصل على وثيقة أسرع، أو خدمة أقرب، أو تدخل إداري أكثر مباشرة. أما أن يقترب القرار منه، فمعناه أن يصبح للمواطن أثر حقيقي في تحديد أولويات منطقته: أين تُبنى المدرسة؟ كيف تُدار ميزانية الجماعة؟ ما أولويات الجهة في الصحة والنقل والتشغيل؟ من يحاسب المنتخبين؟ ومن يراقب الإدارة الترابية؟ ومن يقرر بين حاجات السكان وتوجهات المركز؟
لقد جاءت الجهوية المتقدمة، في الخطاب، لتجيب عن معضلة مغرب بسرعتين. فإذا كانت التنمية قد خلقت تفاوتًا بين مراكز صاعدة وهوامش متعثرة، فإن الجهوية كان يفترض أن تكون أداة لتصحيح هذا الاختلال. فالجهة القوية تستطيع أن تعرف حاجاتها أفضل من العاصمة، وأن تصوغ برامج أكثر قربًا من الواقع، وأن تربط التنمية بخصوصيات المجال، وأن تمنح النخب المحلية فرصة لتحمل المسؤولية، وأن تجعل المواطن يرى أثر المشاركة في محيطه المباشر.
لكن الجهوية لا تنجح بمجرد إنشاء مجالس جهوية أو توسيع الخريطة الترابية. فهي تحتاج إلى خمسة شروط أساسية: صلاحيات واضحة، موارد مالية كافية، إدارة جهوية منسجمة، نخب محلية مؤهلة، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة. فإذا غاب شرط من هذه الشروط، تحولت الجهوية إلى شكل مؤسسي أكثر منها سلطة ترابية حقيقية.
وهنا ظهر أحد أعطاب التجربة المغربية. فالجهات قد توجد قانونيًا، والمجالس قد تُنتخب دوريًا، والخطب قد تتحدث عن التنمية المجالية، لكن المنتخب الجهوي يجد نفسه كثيرًا أمام إدارة أقوى منه، وتمويل محدود أو مشروط، وبرامج مركزية جاهزة، ومصالح خارجية لا تخضع دائمًا لمنطق الجهة، ومواطنين لا يعرفون بدقة من المسؤول عن ماذا. وبذلك تتوزع المسؤولية بين المنتخب والإدارة والمركز، فتضعف المحاسبة.
وهذه من أخطر نتائج الخلط بين اللاتمركز واللامركزية. فحين يتعثر مشروع في الجهة، لا يعرف المواطن هل يحاسب المجلس الجهوي، أم الوالي، أم الوزارة، أم الحكومة، أم الجماعة، أم المؤسسة العمومية المكلفة بالمشروع. وحين تتعدد مستويات القرار دون وضوح في المسؤولية، تضيع المحاسبة. والديمقراطية الترابية لا تقوم فقط على وجود منتخبين، بل على وضوح العلاقة بين السلطة والمسؤولية.
لقد أرادت الدولة أن تمنح المجال نفسًا جديدًا دون أن تفقد السيطرة على القرار. وهذا مفهوم جزئيًا من زاوية وحدة الدولة، وحساسية التوازنات الترابية، وضعف بعض النخب المحلية، وخطر الفساد والزبونية في المجال. لكن الخطر المقابل هو أن يتحول هذا الحذر إلى سقف دائم يمنع الجهة من أن تنضج. فالجهة لا تتعلم المسؤولية من خارج المسؤولية، كما أن النخب المحلية لا تنضج إذا ظلت دائمًا تحت وصاية المركز.
هنا نعود إلى الفكرة التي سبقت في هذا الفصل: إذا كانت الديمقراطية المحلية مدرسة، فإن الجهوية هي المستوى الأعلى من هذه المدرسة. لكن المدرسة لا تنتج نخبًا قوية إذا لم تمنحها مجالًا حقيقيًا للتجربة والخطأ والمحاسبة. أما إذا بقي المركز يحتفظ بالقرار الحاسم، ثم يشتكي من ضعف النخب المحلية، فإننا نعود إلى الحلقة نفسها: ضعف النخب يبرر مركزية الدولة، ومركزية الدولة تعمق ضعف النخب.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن العالم القروي. فالجهوية، في معناها العادل، كان ينبغي أن تكون فرصة لإخراج المجال القروي من موقع الخزان الانتخابي إلى موقع المجال التنموي الكامل. لكن في كثير من الحالات بقي العالم القروي تابعًا لقرارات تأتي من فوق، وبرامج تُصمم باسمه، ومشاريع تُنفذ فيه، دون أن يتحول سكانه إلى فاعلين حقيقيين في تحديد أولوياتهم. وهكذا ظل القروي موضوعًا للتنمية أكثر مما صار شريكًا فيها.
وهنا يظهر الفرق بين التنمية الترابية والتنمية الميدانية. فقد تصل مشاريع إلى المجال، لكنها لا تعني بالضرورة أن المجال صار يقرر. وقد تُبنى طرق ومراكز ومرافق، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع المحلي أصبح يمتلك أدوات مساءلة من يدبرها. وقد يُعلن برنامج تنموي باسم الجهة، لكنه قد يبقى في عمقه برنامجًا مركزيًا نازلًا إلى الجهة، لا برنامجًا صاعدًا منها.
ومن هنا فإن الجهوية تكشف، مرة أخرى، مفارقة العهد الجديد: تحديث إداري وتنموي واضح، لكن تردد في نقل السلطة السياسية والمالية بما يكفي. لقد أصبح للجهة حضور أكبر في الخطاب والمؤسسات والانتخابات، لكن هذا الحضور لم يتحول دائمًا إلى قوة قرار حقيقية. وصار الحديث عن العدالة المجالية أقوى، لكن الفوارق بين الجهات وداخل الجهة نفسها بقيت حاضرة. وتحسن تمثيل المجال على الورق، لكن تمكينه الفعلي ظل محدودًا.
وهذه المفارقة تفسر لماذا لم تستطع الجهوية، حتى الآن، أن تعالج بالكامل شعور كثير من المناطق بأنها تعيش خارج مغرب الواجهة. فالمشكلة ليست فقط في غياب المشاريع، بل في غياب الإحساس بأن المجال يملك صوته وقراره. فحين يرى المواطن في الهامش أن القرارات الكبرى لا تُصنع في جهته، وأن المنتخب المحلي محدود القدرة، وأن الإدارة الترابية أقوى من المؤسسة المنتخبة، فإن ثقته في الجهوية تبقى ناقصة.
ولا يعني ذلك أن الجهوية فشلت بالكامل. فقد فتحت المجال أمام نقاش جديد حول التنمية الترابية، ووسعت حضور الجهة في السياسات العمومية، وخلقت إمكانات جديدة للتخطيط والاستثمار والتعاقد بين الدولة والجهات. لكنها، في التقويم الهادئ، لم تصل بعد إلى مستوى التحول العميق الذي يجعل الجهة سلطة تنموية وسياسية حقيقية، لا مجرد إطار وسيط لتنفيذ اختيارات الدولة.
ومن هنا ينبغي أن يكون السؤال التقويمي واضحًا: هل الجهوية المتقدمة في المغرب كانت تقدمًا في اللامركزية، أم تقدمًا في اللاتمركز؟ هل اقترب القرار من المواطن، أم اقتربت الإدارة فقط؟ هل صارت الجهة قادرة على صياغة مستقبلها، أم صارت فقط فضاءً جديدًا لتنزيل البرامج المركزية؟ وهل أنتجت الجهوية نخبًا محلية جديدة، أم أعادت توزيع النخب نفسها داخل مؤسسات جديدة؟
إن الجهوية لا تُقاس بعدد الجهات، ولا بصياغة النصوص، ولا بانتخاب المجالس وحده. تُقاس بمدى قدرة الطفل في قرية بعيدة على الوصول إلى مدرسة جيدة، والمريض إلى مستشفى قريب، والشاب إلى فرصة عمل، والمقاولة المحلية إلى تمويل ومواكبة، والجماعة إلى موارد حقيقية، والمواطن إلى محاسبة من يقرر باسمه. فإذا بقيت هذه الشروط ضعيفة، فإن الجهوية تبقى وعدًا مؤجلًا أكثر منها تحولًا مكتملًا.
وهنا تلتقي الجهوية مع كل ما سبق في الفصل. فكما أن الحزب قد يكون موجودًا قانونيًا دون مشروعية تمثيلية قوية، وكما أن النقابة قد توجد دون قدرة تفاوضية كافية، وكما أن الجمعية قد تكون مرخصة دون أثر مجتمعي، فإن الجهة أيضًا قد توجد مؤسسيًا دون سلطة فعلية كافية. وفي كل الحالات، نكون أمام المشكلة نفسها: مؤسسات قائمة، لكن الوساطة ضعيفة؛ أشكال حديثة، لكن مضمون المشاركة محدود؛ خطاب عن القرب، لكن مركز القرار لا يزال بعيدًا.
ولهذا فإن الجهوية ليست ملفًا إداريًا فقط، بل هي اختبار سياسي عميق. لأنها تسأل الدولة: هل تثق في المجال؟ وتسأل النخب المحلية: هل تستحق هذه الثقة؟ وتسأل المواطن: هل يشارك ويراقب؟ وتسأل النموذج التنموي كله: هل يمكن بناء مغرب واحد بسرعة واحدة من دون توزيع أكثر عدلًا للسلطة والموارد والقرار؟
إن المغرب الذي يسير بسرعتين لا يمكن أن يخرج من هذه المفارقة بمشاريع مركزية وحدها، مهما كانت مهمة. يحتاج إلى جهات قوية، ومجالس مسؤولة، وموارد عادلة، وإدارة خادمة لا وصية، ومواطنين قادرين على مراقبة القرار القريب منهم. أما إذا بقيت الجهوية معلقة بين طموح اللامركزية وواقع اللاتمركز، فإنها ستظل تعبر عن وعد كبير لم يكتمل بعد.
ويطرح هذا النقاش سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل كان تأجيل التنزيل الكامل للجهوية الموسعة مرتبطًا فقط بضعف النخب المحلية، وبحذر الدولة من نقل السلطة إلى المجال، أم كان مرتبطًا أيضًا بحسابات أعمق تتصل بملف الصحراء؟
فمن الممكن قراءة الجهوية المتقدمة، في أحد وجوهها، بوصفها صيغة وسطى بين مركزية الدولة من جهة، والحكم الذاتي المنتظر في الأقاليم الجنوبية من جهة أخرى. فالجهوية الموسعة، لو نُزلت منذ البداية بمنطق سياسي واسع، كانت ستطرح سؤالًا حساسًا: ما الفرق العملي بينها وبين الحكم الذاتي؟ وما المستوى الذي يمكن أن تمنحه الدولة للجهات كلها دون أن تُفرغ خصوصية الحكم الذاتي في الصحراء من مضمونها السياسي؟ وما المستوى الذي يمكن أن تمنحه للصحراء دون أن يخلق تفاوتًا دستوريًا وسياسيًا صعب التدبير مع باقي الجهات؟
من هنا يمكن أن نفهم أن الدولة المغربية كانت تتحرك داخل توازن دقيق: فهي تريد أن تطور الجهوية على مستوى التراب الوطني كله، لكنها لا تريد أن تستنفد سياسيًا فكرة الحكم الذاتي قبل أن تنضج شروطها الدولية والداخلية. ولذلك بدا أن الجهوية المتقدمة، كما نُظمت بعد دستور 2011، أقرب إلى توسيع تدريجي ومنضبط للتدبير الترابي، لا إلى نقل واسع للسلطة السياسية إلى الجهات.
ومع تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فإذا كان الحكم الذاتي هو الصيغة السياسية التي يُنتظر تنزيلها في الصحراء، فإن الجهوية المتقدمة في باقي التراب الوطني تبدو كأنها الإطار العام الذي يُهيئ الدولة والمجتمع لفكرة توزيع السلطة ترابيًا، من دون أن يبلغ درجة الحكم الذاتي نفسه. وبذلك يصبح الفرق بين الجهوية والحكم الذاتي فرقًا في العمق السياسي لا في الشكل الإداري فقط.
غير أن هذا يفتح بابًا تقويميًا حساسًا: هل كانت الجهوية المتقدمة تمرينًا وطنيًا واسعًا على اللامركزية، أم كانت سقفًا مضبوطًا حتى لا تسبق باقي الجهات الصيغة الخاصة المنتظرة للصحراء؟ وهل سيؤدي تنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية إلى دفع الجهوية في المغرب كله نحو مستوى أعلى من توزيع السلطة، أم سيؤدي إلى خلق نموذجين ترابيين: جهوية متقدمة لباقي الجهات، وحكم ذاتي بصلاحيات أوسع في الصحراء؟
هذا السؤال لا يمكن حسمه داخل هذا المحور وحده، لأنه يتجاوز الجهوية بوصفها إصلاحًا إداريًا وتنمويًا، ويدخل في صلب ملف الصحراء والسيادة والوحدة الترابية. لذلك سيعود الكتاب إلى هذه الإشكالية في الفصل المخصص للصحراء، حيث لا تُقرأ الجهوية فقط من زاوية القرب من المواطن، بل من زاوية الحكم الذاتي، والسيادة، والاعتراف الدولي، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم الجنوبية.
ومن هنا، فإن الخلاصة التقويمية لهذا المحور هي أن الجهوية في عهد محمد السادس مثلت تقدمًا في الاعتراف بسؤال المجال، لكنها لم تحسم بعد سؤال السلطة داخل المجال. لقد قرّبت الدولة من التراب، لكنها لم تقرّب القرار بما يكفي من المواطن. وهذا هو الفرق الحاسم بين جهوية تُدار من المركز، وجهوية تُنتج من المجتمع.
غير أن هذا الحكم يبقى جزئيًا إلى أن يُقرأ في ضوء ملف الصحراء. فالجهوية المغربية لا يمكن فصلها تمامًا عن سؤال الحكم الذاتي، ولا عن موقع الأقاليم الجنوبية داخل التصور الترابي للدولة. ولذلك فإن ما يبدو هنا حدودًا للجهوية المتقدمة قد يظهر، في الفصل الخاص بالصحراء، بوصفه جزءًا من هندسة أكبر: جهوية وطنية مضبوطة، وحكم ذاتي خاص يُراد له أن يكون الصيغة السياسية الأوسع داخل السيادة المغربية.
خلاصة: من وعد الانتقال إلى دولة تقود من أعلى
يكشف هذا الباب، أن الوعد السياسي الأول للعهد الجديد لم يكن وعدًا بسيطًا بالديمقراطية، بل كان وعدًا مركبًا: انفتاح سياسي محسوب، ومصالحة مع جزء من الماضي، وإدماج للمعارضة، وتوسيع لهوامش المشاركة، وتنمية تقودها الدولة من أعلى. فقد ورث محمد السادس حقلًا سياسيًا مثقلًا بإرث التحكم، وأحزابًا ضعيفة، ونقابات متراجعة، ومجتمعًا مدنيًا في طور التشكل، وجهوية معلقة بين طموح اللامركزية وواقع اللاتمركز.
ولذلك لم يكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان العهد الجديد قد اختار الديمقراطية أو التنمية، بل كيف حاول أن يجمع بينهما. فقد بدا في البداية أن الدولة تراهن على تنمية سريعة تقودها الملكية، في انتظار أن تنضج الأحزاب، وتتقوى المؤسسات، وتتوسع المشاركة، وتتراجع الأمية والهشاشة. غير أن هذا الرهان، بعد ربع قرن، يكشف مفارقته العميقة: فالتنمية التي لا ترافقها وسائط قوية ومساءلة فعلية قد تنجز مشاريع كبرى، لكنها لا تنتج بالضرورة مواطنة قوية، ولا عدالة متوازنة، ولا ثقة مستدامة.
لقد أضعف إرث التحكم الأحزاب، ثم جاء صعود التكنوقراط ليجعل ضعفها أقل إزعاجًا لمركز القرار، لكنه أكثر كلفة على الديمقراطية. وتراجعت النقابات، فضعف التفاوض الاجتماعي المنظم. وتوسع المجتمع المدني، لكنه ظل في حالات كثيرة موزعًا بين مبادرات جادة وجمعيات شكلية أو محتواة. وتقدمت الجهوية في النصوص والمؤسسات، لكنها لم تحسم بعد سؤال السلطة داخل المجال.
وهكذا تشكلت معادلة العهد الجديد في بدايتها: دولة قوية في المبادرة، ومؤسسات وسيطة ضعيفة في التمثيل، وتنمية موجهة من أعلى، ومجتمع ينتظر أن يصل أثر المشاريع إلى حياته اليومية. وهذه المعادلة هي التي ستنتج لاحقًا جزءًا كبيرًا من مفارقة “مغرب بسرعتين”: مغرب يتحرك في البنية والواجهة والحضور الخارجي، ومغرب يتعثر في المدرسة، والمستشفى، والشغل، والثقة، والعدالة المجالية.
ولا يعني ذلك أن الوعد السياسي الأول كان وهمًا كاملًا، ولا أن العهد الجديد لم يحقق شيئًا في المجال السياسي. فقد حصل انفراج نسبي، وتغيرت لغة الدولة، وتوسعت بعض مساحات التعبير، وتراجعت بعض أدوات التحكم الفج، وبرزت أوراش مؤسسية وتنموية مهمة. غير أن التقويم لا يقف عند بداية الطريق، بل يسأل عن حصيلته بعد زمن كافٍ من الاختبار: هل تحولت الإشارات الأولى إلى بنية ديمقراطية عميقة؟ وهل أصبحت التنمية قاطرة للمشاركة؟ أم صارت، في كثير من الملفات، بديلًا عنها؟
وخلاصة القول أن المغرب لم يعش قطيعة سياسية كاملة مع العهد السابق، كما لم يبقَ أسيرًا له تمامًا. لقد دخل منطقة وسطى: تحديث من داخل الاستمرارية، وانفتاح تحت سقف التحكم، وتنمية بقيادة الدولة، ومؤسسات منتخبة لا تملك دائمًا مركز القرار، ووسائط سياسية واجتماعية ومدنية لا تملك دائمًا القدرة على التأطير والمساءلة.
ومن هنا يبدأ سؤال الحصيلة المادية والاجتماعية: إذا كانت الدولة قد اختارت أن تقود التنمية من أعلى، فماذا أنجزت في الاقتصاد والبنية التحتية؟ وهل استطاعت هذه القيادة أن تحول المغرب من بلد هش إلى بلد صاعد؟ أم أن قوة المشاريع أخفت ضعف النموذج الاجتماعي؟
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق