بين الدولة الاجتماعية، وتعثر التسوية النهائية للصحراء، واستعجال أوراش 2030.
تمهيد
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يتنامى الحديث في المغرب عن طبيعة الحكومة المقبلة، وعن الشخصية التي ستتولى رئاستها: هل يكون رئيس الحكومة زعيمًا حزبيًا بالمعنى التقليدي، أم تكنوقراطيًا يستند إلى غطاء حزبي وانتخابي؟ وهل ستفرز صناديق الاقتراع قيادة سياسية جديدة تحمل مشروعًا مستقلًا، أم أن طبيعة المرحلة ستفرض منذ البداية مواصفات محددة للشخصية القادرة على تدبيرها؟
وبعيدًا عن الأسماء المتداولة، وعن النتائج التي قد تفرزها الانتخابات، تبدو الحكومة المقبلة محكومة بثلاثة أوراش استراتيجية كبرى، تختلف في طبيعتها وآجالها، لكنها تجتمع في كونها تتجاوز البرامج الحزبية والولايات الحكومية الضيقة.../...
الأوراش الاستراتيجية الكبرى
أول هذه الأوراش استكمال بناء الدولة الاجتماعية، وهو مشروع يرتبط بالوعد الاجتماعي الذي رافق عهد محمد السادس منذ بدايته، ثم تبلور عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والدعم المباشر، وإصلاح التعليم والصحة والسكن والتشغيل.
وثانيها قضية الصحراء، وما حققته مبادرة الحكم الذاتي من زخم دولي متزايد. غير أن الانتقال من دعم المبادرة المغربية إلى التسوية السياسية النهائية لا يزال مرتبطًا بموقف الجزائر والبوليساريو، وبمسار أممي لم تنضج شروط حسمه الكامل بعد. ولذلك ستواصل الحكومة المقبلة، على الأرجح، دعم التنمية والجهوية والاستثمار في الأقاليم الجنوبية، من دون أن تكون بالضرورة حكومة التنزيل النهائي للحكم الذاتي.
أما الورش الثالث فهو استحقاق كأس العالم 2030، بما يمثله من برنامج استثماري وتنظيمي واسع لا يقتصر على بناء الملاعب، بل يشمل النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والفنادق والأمن والرقمنة وتأهيل المدن.
وستتولى الحكومة المقبلة المرحلة الأكثر حساسية من هذا الورش، حيث تتحول التعهدات والميزانيات إلى منشآت جاهزة، ضمن آجال دولية صارمة لا تسمح بالتأخير أو الارتباك.
وبين هذه الاستحقاقات الثلاثة، يبدو المونديال الورش الأكثر استعجالًا، والأكثر قابلية للقياس، والأوضح من حيث الحاجة إلى شخصية تنفيذية تجمع بين المعرفة بالتمويل، والقدرة على التنسيق، والخبرة في إدارة المؤسسات والمشروعات الكبرى.
لكن السؤال عن رئيس الحكومة المقبل لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي المغربي نفسه.
ملكية تنفيذية لا ملكية برلمانية
المغرب ليس ملكية برلمانية تتولى فيها الأغلبية المنتخبة وحدها رسم اتجاه الدولة، بينما يقتصر دور الملك على الرمز والتمثيل. إنه نظام دستوري مركب تحتفظ فيه المؤسسة الملكية بموقع مركزي في تحديد التوجهات الاستراتيجية، وضمان استمرارية الدولة، والإشراف على أوراشها الكبرى.
فالملك رئيس الدولة والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويرأس المجلس الوزاري، الذي يتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة والقضايا الكبرى. أما الحكومة، فرغم ما منحها دستور 2011 من صلاحيات أوسع، فإنها تعمل داخل بنية تجمع بين الشرعية الانتخابية للحكومة والقيادة الاستراتيجية للمؤسسة الملكية.
ومن هنا لا تكفي الشرعية الانتخابية وحدها لصناعة رئيس حكومة ناجح داخل النظام المغربي.
فإلى جانب تصدر حزبه للانتخابات، يحتاج رئيس الحكومة إلى ثقة المؤسسة الملكية، وإلى القدرة على العمل المنسجم معها، لأن الحكومة لا تدخل إلى دولة تنتظر منها أن تحدد وجهتها من جديد، بل إلى دولة تملك أوراشًا استراتيجية ممتدة، وتبحث عمن يستطيع تنفيذها بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.
فالملكية التنفيذية لا تحتاج فقط إلى حزب فائز، بل إلى شريك حكومي يعرف هندسة الحكم، ويفهم حدود الصلاحيات، وينسجم مع اتجاه الدولة، ويستطيع تحويل التوجيهات الكبرى إلى برامج وميزانيات ومشروعات.
وهذا هو السبب المؤسسي العميق الذي يفسر ميل الدولة إلى الكفاءات الإدارية والمالية والتقنية.
فالحكومة في المغرب لا تأتي في كل ولاية لإعادة تعريف السياسة الخارجية، أو قضية الصحراء، أو الأمن، أو اتجاهات التنمية الكبرى، بل تأتي لتدبير مرحلة من مشروع دولة يمتد عبر الحكومات والأغلبيات.
ومن هنا يتقدم التكنوقراطي، في كثير من الأحيان، على السياسي الحزبي التقليدي؛ لأنه يمتلك خبرة في الإدارة والتمويل والتنسيق والإنجاز، بينما تتراجع قيمة الزعامة الخطابية إذا لم تكن مسنودة بكفاءة تنفيذية.
لكن دستور 2011 جعل رئيس الحكومة مرتبطًا بالحزب المتصدر للانتخابات، وهو ما أدى إلى ظهور صيغة وسطى: تكنوقراطي يدخل الحزب، ويخوض الانتخابات، ويحصل على شرعية الصندوق، فيجمع بين الثقة المؤسساتية والمشروعية الانتخابية.
وقد جسد عزيز أخنوش جانبًا من هذا النموذج، إذ انتقل من رجل أعمال ووزير ذي صورة تدبيرية إلى قيادة حزب متصدر للانتخابات ورئاسة الحكومة.
وقد يكون فوزي لقجع، إذا تأكد انخراطه الحزبي وترشحه وتوفرت لحزبه صدارة الانتخابات، امتدادًا أكثر وضوحًا للصيغة نفسها.
شرعية التنمية قبل الديمقراطية الكاملة
إن تقديم المؤسسة الملكية للتنمية والاستقرار والتحديث التدريجي على الانتقال السريع إلى ملكية برلمانية كاملة لا يعود فقط إلى طبيعة النظام ورغبته في الحفاظ على مركزية القرار، بل يستند أيضًا إلى قراءة لطبيعة المجتمع المغربي وتوازناته الثقافية والسياسية.
فالمجتمع المغربي لا يتحرك وفق مرجعية واحدة، وإنما تتعايش داخله عقليتان تتقدمان بسرعتين مختلفتين.
هناك عقلية حداثية تنمو في المدن والجامعات والإدارة والاقتصاد الجديد، وتتبنى دولة المؤسسات، والكفاءة، والمساواة، والرقمنة، والانفتاح على العالم، وتطالب بإدارة عصرية وخدمات فعالة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي مقابلها، توجد عقلية تراثية محافظة تستمد جزءًا من تصوراتها من البنية الدينية التقليدية، والعائلة، والجماعة، والهوية، والولاء للأشخاص، وتتحفظ على بعض التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يحملها مشروع التحديث.
ولا يتعلق الأمر بانقسام جغرافي أو طبقي صارم؛ لأن العقليتين قد تجتمعان داخل الشخص نفسه.
فقد يكون المواطن حداثيًا في مطالبته بالتكنولوجيا والإدارة الرقمية والمستشفى العصري، ثم يتحول إلى محافظ في رؤيته للأسرة والمرأة والدين والحريات الفردية. وقد يطالب بدولة القانون، لكنه يلجأ إلى الواسطة حين تمسه المسطرة. وقد يدافع عن الديمقراطية، لكنه لا يقبل بسهولة نتائجها عندما تأتي بخصمه الفكري.
وهذه الازدواجية هي التي تجعل الديمقراطية المغربية تحمل داخلها مفارقة عميقة.
فالانتخابات قد تنتج قوى سياسية تستمد شرعيتها من العقلية المحافظة، بينما تقود المؤسسة الملكية مشروعًا تحديثيًا من أعلى، يقوم على الدولة المركزية، والانفتاح الاقتصادي، والتحديث المؤسسي والاجتماعي المتدرج.
وهكذا قد يصبح الاختيار الديمقراطي، في بعض المراحل، حاملًا لقوى لا تنسجم بالكامل مع الاتجاه التحديثي الذي تقوده الدولة.
وقد ظهرت هذه المفارقة بوضوح مع صعود حزب العدالة والتنمية وتصدره انتخابات 2011 و2016.
فالمؤسسة الملكية احترمت نتائج الاقتراع، وعينت عبد الإله بنكيران رئيسًا للحكومة بعد تصدر حزبه الانتخابات. غير أن قبول النتيجة الدستورية لا يعني بالضرورة وجود انسجام كامل بين مشروع المؤسسة الملكية ومرجعية الحزب المتصدر.
لقد دخل الإسلاميون الحكومة بقاعدة شعبية وتنظيمية مستقلة، وبمرجعية محافظة وخطاب أخلاقي وديني لم يكن دائمًا منسجمًا مع إيقاع الإصلاح الذي تقوده المؤسسة الملكية، خصوصًا في الملفات الاجتماعية والثقافية.
وهنا ظهر التوتر بين منطقين:
منطق الاقتراع الذي يمنح الحزب الفائز حق قيادة الحكومة.
ومنطق الملكية التنفيذية التي تحتاج إلى حكومة منسجمة مع مشروع الدولة وقادرة على تنفيذه من دون تنازع حول مرجعيته أو اتجاهه.
ولم تكن المشكلة في حق الإسلاميين في الوصول إلى الحكومة، فهذا حق منحته لهم صناديق الاقتراع والدستور، بل في التوتر بين شرعية انتخابية أفرزت حزبًا محافظًا، وشرعية ملكية تاريخية ودستورية تقود مشروع الدولة وتحدد اتجاهاتها الاستراتيجية.
وقد كشفت تجربة حكومتي العدالة والتنمية أن احترام نتيجة الانتخابات لا يضمن وحده وحدة القيادة أو النجاعة.
فالسياسات الكبرى بقيت مرتبطة بالمبادرة الملكية، بينما واجه الحزب صعوبة في تحويل شرعيته الانتخابية إلى قدرة فعلية على قيادة الدولة أو فرض تصور مستقل للإصلاح.
ومن هنا برزت حدود الانتقال الديمقراطي داخل ملكية تنفيذية.
فإذا تُركت الاختيارات الكبرى كاملة للأغلبية المنتخبة، فقد تتغير سرعة التحديث أو وجهته وفق طبيعة القوى الصاعدة من المجتمع.
أما إذا احتفظت المؤسسة الملكية بقيادة التحديث، فإن الحكومة تصبح أقل استقلالًا، وتتحول الانتخابات تدريجيًا إلى وسيلة لاختيار منفذي السياسات أكثر مما هي وسيلة لتغيير الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
وقد اختارت الدولة المغربية، عمليًا، الصيغة الثانية.
فهي لم تلغ الانتخابات، ولم تمنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكومة، لكنها أبقت التوجهات الاستراتيجية الكبرى خارج التداول الانتخابي الكامل، وأخضعت التحول السياسي لمنطق التدرج، خشية أن يؤدي صعود القوى المحافظة إلى تعطيل مسار التحديث أو تغيير وجهته.
وبهذا المعنى، قدمت المؤسسة الملكية التنمية والتحديث من أعلى باعتبارهما ضمانة للاستمرارية ووحدة الاتجاه، في انتظار أن يتطور المجتمع والأحزاب والثقافة السياسية بما يسمح بتوازن أكبر بين الإرادة الانتخابية ومشروع الدولة الحديثة.
الثمن السياسي لاختيار التنمية من أعلى
غير أن هذا الاختيار ليس بلا ثمن.
فحين تتقدم الدولة أسرع من المجتمع، تتسع الفجوة بين مؤسسات حديثة وثقافة سياسية أبطأ تحولًا.
وحين تُحسم الاختيارات الكبرى خارج المنافسة الحزبية، تضعف قدرة الأحزاب على إنتاج البرامج والقيادات ورجال الدولة، ثم يستعمل ضعفها لاحقًا لتبرير استمرار القيادة من أعلى.
وهكذا تنشأ دائرة مغلقة:
الدولة لا تثق في قدرة الأحزاب على قيادة الأوراش الكبرى، فتحتفظ بالمبادرة الاستراتيجية.
والأحزاب تضعف لأنها لا تقود فعليًا الاختيارات الكبرى، ولا تتحمل مسؤوليتها الكاملة أمام الناخبين.
وهذه هي المعضلة السياسية العميقة لمغرب السرعتين.
فالأمر لا يتعلق فقط بسرعة البنية التحتية في مقابل بطء التحول الاجتماعي، بل أيضًا بسرعة المشروع الملكي التحديثي في مقابل بطء تحول المجتمع والأحزاب والثقافة السياسية.
لقد نجحت الدولة في إنتاج موانئ وقطارات وطرق ومؤسسات عصرية، لكنها لم تنجح بالسرعة نفسها في إنتاج حياة حزبية قادرة على إفراز رجال دولة يجمعون بين الشرعية الشعبية والكفاءة التنفيذية والرؤية الاستراتيجية.
ومن هنا يصبح اللجوء إلى التكنوقراطي المتحزب علاجًا لمشكلة ساهمت بنية النظام نفسها في إنتاجها.
لقجع والأصالة والمعاصرة: أكثر من انتقال حزبي
في ضوء هذه المعضلة، لا يمكن النظر إلى احتمال انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره مجرد بحث عن بطاقة حزبية، أو استيفاء شكلي للشرط الدستوري اللازم لرئاسة الحكومة.
فالحزب نفسه نشأ داخل سياق سياسي ارتبط بمحاولة بناء قوة حداثية قادرة على مواجهة التمدد الإسلاموي، وتجميع نخب الإدارة والاقتصاد والمنتخبين داخل إطار سياسي يدعم مشروع الدولة الحديثة.
وقد جعله ذلك، منذ تأسيسه، موضوعًا لجدل مستمر بين من يراه أداة لإعادة التوازن إلى الحقل الحزبي، ومن يعتبره امتدادًا سياسيًا للدولة داخل المجال الانتخابي.
ومن هنا يحمل انتقال لقجع إليه، إن تأكد، دلالة تتجاوز شخصه.
فالرجل يمثل نموذج الكفاءة التي صنعت مشروعيتها داخل مؤسسات الدولة، من الإدارة المالية والميزانية إلى كرة القدم والتدبير الرياضي الدولي. أما الحزب، فيمكن أن يمنحه الشرعية الانتخابية والسياسية التي يفتقر إليها التكنوقراطي المستقل.
وبذلك تلتقي شخصية تنفيذية ناجحة مع حزب يرتبط في الوعي السياسي المغربي بمشروع الحداثة ومواجهة الإسلامويين.
ولا يعني ذلك وجود خطة معلنة لتنصيب لقجع رئيسًا للحكومة، لكنه يكشف طبيعة الحل الذي قد تفضله الدولة لمعضلتها السياسية.
فبدل مواجهة الإسلامويين بإقصائهم، يجري دعم قوة حزبية قادرة على منافستهم انتخابيًا بما يتمتع به فوزي لقجع من مكانة متميزة في الأوساط الشعبية العاشقة للعبة السحرية.
وبدل تعيين تكنوقراطي من خارج السياسة، يجري إدخاله إلى الحزب ومنحه شرعية الصندوق الصورية، دون أن يترقى في سلم الحزب بالنضال الديموقراطي.
وبدل ترك مشروع التحديث رهينًا بتقلبات الأغلبية، يجري البحث عن أغلبية منسجمة سلفًا مع اتجاه الدولة.
وهكذا يصبح «ركوب الجرار» (رمز المغرب الفلاحي) انتقالًا من الشرعية التقنية إلى الشرعية السياسية، ومحاولة للجمع بين الكفاءة التنفيذية ومواجهة المعارضة الإسلاموية داخل قواعد اللعبة الانتخابية.
كما أن اختيار الأصالة والمعاصرة، بدل حزب آخر، يحمل دلالة رمزية وسياسية؛ لأن المسألة لا تتعلق فقط بالمونديال أو بالكفاءة المالية، بل بإعادة طرح الإشكال المغربي القديم: كيف تقود الدولة مشروعًا حداثيًا في مجتمع لا تزال القوى المحافظة قادرة فيه على تعبئة جزء مهم من الناخبين والفوز بالانتخابات؟
هل يكون لقجع رئيس حكومة المونديال؟
اسم فوزي لقجع لا يطرح بسبب نجاح كرة القدم المغربية وحده.
فالرجل يجمع بين خبرة الإدارة والمالية العمومية، ومعرفة دواليب المؤسسات، والعلاقات الرياضية الدولية، والإشراف على جوانب أساسية من ملف كأس العالم 2030.
وهذه مواصفات تجعله نموذجًا مناسبًا لحكومة يهيمن عليها منطق الآجال والتمويل والتنسيق والإنجاز.
لكن رئاسة الحكومة ليست إدارة للمونديال فقط.
فهي تشمل أيضًا الدولة الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، والتعليم، والصحة، والشغل، والاستثمار، والتشريع، والعلاقة بالبرلمان، وتدبير الاحتجاجات والتوازنات داخل الأغلبية.
ولذلك لا يكفي النجاح في الرياضة أو الميزانية لإثبات القدرة على قيادة حكومة سياسية واجتماعية معقدة.
كما أن انتقال لقجع إلى حزب، في حال حدوثه، لا يجعله سياسيًا تلقائيًا. فالسياسة لا تقتصر على العضوية الحزبية أو الترشح، بل تشمل تقديم مشروع للمجتمع، والخضوع للنقاش والمساءلة، وبناء شرعية تتجاوز الثقة المؤسساتية والنجاح التقني.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
هل يتحول التكنوقراطي إلى سياسي فعلي يحمل برنامجًا ويخضع للمحاسبة؟
أم يتحول الحزب إلى مجرد منصة انتخابية لشخصية صنعتها مؤسسات الدولة؟
رئيس الحكومة المطلوب
بصرف النظر عن الاسم، لا يبدو أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تكنوقراطي صرف، ولا إلى زعيم حزبي تقليدي يفتقر إلى الخبرة التنفيذية.
إنها تحتاج إلى شخصية هجينة:
حزبية من حيث الشرعية الدستورية والانتخابية.
تكنوقراطية من حيث الخبرة والكفاءة.
سياسية من حيث القدرة على التفاوض وبناء الأغلبية والتواصل مع المجتمع.
واجتماعية من حيث إدراك أن نجاح المونديال لا يعوض فشل المدرسة أو المستشفى أو سوق الشغل.
فالحكومة المقبلة قد تنجح في تسليم الملاعب والطرق والمطارات في موعدها، لكنها تفشل سياسيًا إذا بقي المواطن عاجزًا عن العلاج والتعليم والسكن والشغل.
كما قد تنجح في تنظيم أفضل نسخة من كأس العالم، لكنها تعمق صورة المغرب ذي السرعتين إذا تركزت الاستثمارات في المدن المستضيفة، بينما ظلت مناطق وفئات أخرى خارج أثر التنمية.
لذلك لا ينبغي أن يصبح المونديال غاية في ذاته، بل فرصة لتسريع تحديث النقل والمدن والأمن والخدمات بما يترك أثرًا دائمًا بعد انتهاء البطولة.
الخلاصة
لا يبدو السؤال الحقيقي هو: هل يكون رئيس الحكومة المقبل حزبيًا أم تكنوقراطيًا؟
السؤال الأعمق هو:
هل تستطيع الدولة المغربية إنتاج شخصية تجمع بين الكفاءة التنفيذية والشرعية الانتخابية والثقل السياسي والرؤية الاجتماعية، من دون أن تكون مجرد واجهة حزبية لمشروع تحدده الدولة من خارج الأحزاب؟
والأرجح أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو رئيس حكومة حزبي من حيث الشرعية الدستورية، تكنوقراطي من حيث الخبرة، ومنسجم مع المؤسسة الملكية من حيث التوجه، وقادر على قيادة أوراش كأس العالم 2030.
وفوزي لقجع يجسد، نظريًا، جزءًا كبيرًا من هذه المواصفات، لكن انتقاله المحتمل إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي قراءته فقط باعتباره خطوة نحو رئاسة الحكومة، بل باعتباره تعبيرًا عن معضلة النظام السياسي المغربي كله:
ملكية تنفيذية تقود مشروعًا تحديثيًا من أعلى.
ومجتمع تتحرك داخله عقليتان، حداثية وتراثية، بسرعتين مختلفتين.
وأحزاب لم تنجح بعد في إنتاج رجال دولة يجمعون بين الشرعية والكفاءة.
وانتخابات تمنح الشرعية للحكومة، من دون أن تمنحها دائمًا سلطة تحديد اتجاه الدولة.
لهذا قد ينجح المغرب في إنتاج «رئيس حكومة المونديال»، لكن التحدي الأكبر سيظل إنتاج حياة سياسية حديثة توازي حداثة الملاعب والقطارات والموانئ وعصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
فالمونديال ينتهي سنة 2030، أما سؤال العلاقة بين الملكية التنفيذية والديمقراطية، وبين تحديث الدولة وتحول المجتمع، فسيظل مفتوحًا إلى ما بعد صافرة النهاية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق