حين يفشل الحكم الفردي في إنقاذ الدولة
لم يخرج التونسيون في صيف 2026 لأنهم استعادوا فجأة حنينًا إلى الأحزاب التي حكمت بعد الثورة، ولا لأنهم نسوا إخفاقات الانتقال الديمقراطي الذي أعقب سقوط زين العابدين بن علي. لقد خرجوا لأنهم بدأوا يكتشفون أن إسقاط الأحزاب من معادلة الحكم، وتركيز السلطات في يد رئيس واحد، لم يؤديا بالضرورة إلى دولة أكثر قوة، ولا إلى اقتصاد أكثر ازدهارًا، ولا إلى إدارة أكثر كفاءة.
فبعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، بات الرئيس مسؤولًا بصورة مباشرة عن حصيلة الدولة؛ لأنه حلّ البرلمان، وأعاد تشكيل النظام الدستوري، وهمّش الأحزاب، وأضعف المؤسسات الوسيطة، ووسّع سلطة الرئاسة إلى درجة لم تعد تسمح له بإلقاء مسؤولية الفشل على شركائه أو خصومه.../...
وهذه هي المفارقة التي تحكم الأزمة التونسية الراهنة:
لقد صعد قيس سعيّد بوصفه بديلًا عن فشل الديمقراطية الحزبية، لكنه انتهى إلى مواجهة الغضب نفسه الذي أسقط شرعية الأحزاب؛ البطالة، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، والفساد، وضعف الإدارة، وانسداد الأفق أمام الشباب.
ولذلك فإن ما يجري في تونس لا ينبغي اختزاله في مظاهرات عابرة، كما لا يجوز التسرع في وصفه بانتفاضة وطنية مكتملة أو ثورة ثانية.
إنه، في جوهره، بداية امتحان سياسي واجتماعي حقيقي لنظام ركز السلطة، لكنه لم ينجح في تحويلها إلى قدرة على الإنجاز.
من ثورة 2011 إلى خيبة الانتقال الديمقراطي
بدأت الأزمة التونسية الراهنة قبل وصول قيس سعيّد إلى الرئاسة بسنوات.
فالثورة التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي سنة 2011 نجحت في تحرير المجال السياسي، وإنهاء الحكم الرئاسي السلطوي المغلق، وفتح الطريق أمام التعددية والانتخابات وحرية التعبير.
لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي فجرتها.
ظلت البطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب وخريجي الجامعات، واستمرت الفوارق بين المناطق الساحلية والداخلية، وضعفت قدرة الدولة على الاستثمار وخلق فرص العمل، بينما دخلت الأحزاب في صراعات حول السلطة والهوية والتحالفات.
وتعاقبت الحكومات، من دون أن يشعر المواطن بأن تداولها أحدث تحولًا ملموسًا في حياته اليومية.
كان البرلمان منقسمًا، والتحالفات الحكومية هشة، والإدارة بطيئة، والإصلاحات المؤلمة مؤجلة، والاقتصاد عاجزًا عن تحقيق معدل نمو يكفي لاستيعاب البطالة.
وبذلك نشأت فجوة واسعة بين ديمقراطية سياسية تتقدم، ودولة اجتماعية واقتصادية تتراجع.
وفي هذه الفجوة ظهر قيس سعيّد.
قيس سعيّد: رئيس من خارج المنظومة
انتُخب قيس سعيّد سنة 2019 بأغلبية واسعة، مستفيدًا من صورته أستاذًا للقانون الدستوري بعيدًا عن شبكات المال والأحزاب التقليدية.
لم يقدم نفسه بوصفه زعيم حزب أو صاحب برنامج اقتصادي متكامل، بل بوصفه رجلًا نظيفًا، قريبًا من الشعب، قادرًا على إعادة السلطة إلى المواطنين ومحاربة الفساد.
وكانت قوته الأساسية في كونه خارج النظام الحزبي الذي فقد ثقة قطاعات واسعة من التونسيين.
وقد وجد كثير من الشباب فيه تعبيرًا عن رفض الطبقة السياسية القديمة، بينما رأت فيه فئات محافظة ونقابية وقومية ويسارية فرصة لإضعاف حركة النهضة وبقية الأحزاب التي هيمنت على سنوات ما بعد الثورة.
لكن غياب الحزب والبرنامج والمؤسسة تحول لاحقًا من مصدر قوة إلى نقطة ضعف.
فالرئيس الذي رفض الوسائط الحزبية لم يبنِ بديلًا سياسيًا منظمًا قادرًا على تأطير المجتمع أو إنتاج النخب أو نقل المطالب من الشارع إلى مؤسسات القرار.
لحظة 25 يوليوز 2021
في 25 يوليوز 2021، أعلن قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة، وتولي السلطة التنفيذية، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى حل البرلمان والحكم بالمراسيم وإعادة بناء النظام الدستوري.
وقد جاءت الإجراءات في سياق غضب شعبي واسع من الأحزاب، وتدهور الوضع الاقتصادي، وضعف الدولة خلال جائحة كورونا.
لذلك حظيت الخطوة في بدايتها بتأييد قطاعات معتبرة من التونسيين.
رأى فيها البعض نهاية لفوضى البرلمان، ورآها آخرون فرصة لإبعاد الإسلاميين، واعتقد جزء من المجتمع أن تركيز السلطة سيسمح باتخاذ قرارات سريعة ومحاربة الفساد وإنقاذ الاقتصاد.
لكن الرئيس لم يكتفِ بإبعاد حكومة أو تجميد برلمان، بل أعاد صياغة النظام كله حول مؤسسة الرئاسة.
جاء دستور 2022 ليعزز النظام الرئاسي، ويضعف قدرة البرلمان على مراقبة الحكومة، ويمنح الرئيس نفوذًا واسعًا على السلطة التنفيذية ومؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، تعرض القضاء لضغوط متزايدة، وحُل المجلس الأعلى للقضاء، واعتُقل سياسيون ومحامون وصحفيون ورجال أعمال وناشطون بتهم مرتبطة بالتآمر والفساد ونشر الأخبار الكاذبة.
ويرى منتقدو النظام أن تونس انتقلت خلال هذه المرحلة من انتقال ديمقراطي متعثر إلى نظام سلطوي غير مكتمل؛ فقد جرى تفكيك كثير من مؤسسات الرقابة والوساطة، من دون بناء جهاز دولة منسجم وفعال يحل محلها.
حين تحولت السلطة الشاملة إلى مسؤولية كاملة
كان قيس سعيّد، قبل سنة 2021، قادرًا على تحميل البرلمان والحكومة والأحزاب مسؤولية العجز.
لكن بعد حل البرلمان وإقالة الحكومات وتعيين المسؤولين وتغيير الدستور، لم يعد هذا التبرير مقنعًا.
فمن يحتكر القرار يحتكر معه المسؤولية.
وقد منح تركيز السلطة الرئيس قدرة كبيرة على إصدار القرارات، لكنه لم يمنحه تلقائيًا إدارة قادرة على تنفيذها.
بل إن الخوف داخل أجهزة الدولة، وتراجع استقلال المسؤولين، وغياب المبادرة، قد يؤدي إلى شلل إداري؛ لأن الموظف والمسؤول يخشيان اتخاذ القرار في بيئة يسهل فيها اتهامهما بالتقصير أو الفساد أو التآمر.
وهكذا ظهر نظام شديد المركزية في القمة، لكنه ضعيف التنسيق في القاعدة.
فالسلطة أصبحت أكثر تركيزًا، لكن الدولة لم تصبح بالضرورة أكثر كفاءة.
الاقتصاد: الأزمة التي لا يحلها الخطاب
لم تكن الأزمة الاقتصادية نتيجة حكم قيس سعيّد وحده؛ فهي تراكمت منذ سنوات طويلة، وترتبط بضعف الإنتاجية، وثقل المؤسسات العمومية، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وارتفاع البطالة، وضعف الاستثمار، والعجز المالي.
لكن السنوات الخمس الماضية لم تحقق التحول الذي وعد به الخطاب الرئاسي.
صحيح أن تونس تجنبت الانهيار المالي الكامل، وحافظت على حد أدنى من الاحتياطي وقدرتها على سداد التزاماتها، كما استفادت من السياحة وتحويلات التونسيين في الخارج.
غير أن هذا الصمود لم يتحول إلى إقلاع اقتصادي.
تشير التقديرات المتداولة لسنة 2026 إلى نمو ضعيف لا يتجاوز تقريبًا 2.1 في المائة، وهو معدل لا يكفي لمعالجة البطالة أو تحسين القدرة الشرائية بصورة ملموسة. كما تستمر الضغوط المرتبطة بالدين والحاجة إلى تمويل الميزانية وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية.
وتواجه الدولة معضلة صعبة.
فهي تحتاج إلى إصلاح المؤسسات العمومية، ونظام الدعم، والجباية، وسوق العمل، لكنها تخشى أن تؤدي الإصلاحات السريعة إلى انفجار اجتماعي.
كما ترفض شروطًا خارجية تراها مساسًا بالسيادة (البنك الدولي وغيره من المقرضين)، لكنها لا تملك في المقابل موارد داخلية كافية لتمويل التنمية واستعادة النمو.
وهكذا تحولت السيادة الاقتصادية من مشروع إنتاجي إلى خطاب دفاعي، بينما ازداد اعتماد تونس الواقعي على الجزائر، والتحويلات، والسياحة، والتفاهمات مع الاتحاد الأوروبي.
الشرارة الجديدة: حين يصل فشل الدولة إلى الماء والكهرباء
لا تنفجر الاحتجاجات الشعبية بسبب المؤشرات الاقتصادية المجردة وحدها.
قد يتحمل المواطن سنوات من النمو الضعيف والدين والعجز، لكنه يغضب عندما يصل الفشل إلى الماء والكهرباء والنقل والدواء والخدمات اليومية.
وجاءت احتجاجات صيف 2026 في سياق ارتفاع درجات الحرارة، وانقطاعات في بعض الخدمات، وحرائق وضغوط على البنية الأساسية، فضلًا عن استمرار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
فالحرارة أو انقطاع الكهرباء قد يكونان الشرارة، لكنهما لا يفسران وحدهما الغضب.
السبب الأعمق أن قطاعات متزايدة من التونسيين لم تعد ترى مقابلًا اجتماعيًا للسلطة الواسعة التي منحها الرئيس لنفسه.
فالدولة التي طلبت من المواطنين التضحية بالحريات والوسائط السياسية مقابل الاستقرار والنجاعة لم تقدم لهم استقرارًا اقتصاديًا ولا خدمات أفضل بما يكفي.
السجون بدل الوسائط
اتجه النظام خلال السنوات الأخيرة إلى التعامل الأمني والقضائي مع جزء كبير من المعارضة.
ودخلت السجون شخصيات تنتمي إلى اتجاهات سياسية متباينة، من الإسلاميين إلى اليساريين والليبراليين والقوميين، إضافة إلى محامين وصحفيين ونشطاء.
ويؤكد النظام أن الأمر يتعلق بملفات فساد وتآمر وأمن قومي، بينما ترى المعارضة ومنظمات حقوقية أن القضاء تحول إلى وسيلة لإضعاف المنافسين وإغلاق المجال العام.
ومع سجن عدد كبير من قادة الأحزاب، انتقلت المبادرة أحيانًا إلى عائلات المعتقلين، التي أصبحت تنظم التحركات وتطالب بالإفراج عنهم واستعادة الحريات.
لكن إضعاف الأحزاب لا يعني إنهاء السياسة.
فحين تغيب المؤسسات القادرة على الحوار والتفاوض، تنتقل المطالب إلى الشارع، ويصبح الاحتجاج أقل تنظيمًا وأكثر قابلية للتصعيد.
وهنا يظهر الخطأ البنيوي في مشروع قيس سعيّد:
لقد اعتبر الوسائط الحزبية جزءًا من المشكلة، لكنه لم يدرك أنها، رغم ضعفها وفساد بعضها، كانت أيضًا أدوات لامتصاص الغضب وتوزيع المسؤولية وإنتاج التسويات.
الاتحاد العام التونسي للشغل: العامل الحاسم
لا يمكن فهم مستقبل الأزمة من دون النظر إلى الاتحاد العام التونسي للشغل.
فالمنظمة النقابية ليست مجرد نقابة مهنية، بل مؤسسة تاريخية شاركت في الحركة الوطنية، ولعبت أدوارًا حاسمة خلال ثورة 2011، ثم ساهمت في الحوار الوطني الذي أنقذ الانتقال السياسي سنة 2013.
وقد توترت علاقتها بقيس سعيّد خلال السنوات الأخيرة بسبب الأجور، والإصلاحات، ورفض السلطة التفاوض مع هياكلها، والضغوط التي تعرضت لها.
لكن الاتحاد نفسه يعاني انقسامات داخلية وأزمة قيادة، وهو ما حد من قدرته على التحول إلى مركز موحد للمعارضة. وكانت دعواته إلى الإضراب العام والتعبئة خلال 2025 و2026 تعبيرًا عن استمرار قوته، لكنها كشفت أيضًا هشاشته التنظيمية.
ولهذا يظل موقف الاتحاد هو المؤشر الأهم.
إذا بقي مترددًا ومنقسمًا، يستطيع النظام احتواء الاحتجاجات.
أما إذا أعاد ترتيب صفوفه، وأعلن إضرابًا عامًا ناجحًا، وربط المطالب الاجتماعية بالديمقراطية، فقد تتحول الأزمة من مظاهرات متفرقة إلى ميزان قوة وطني جديد.
هل نحن أمام انتفاضة جديدة؟
لا يزال من المبكر الحديث عن ثورة ثانية.
فالاحتجاجات الحالية، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى درجة الانتشار الجغرافي والعددي التي عرفتها تونس في ديسمبر 2010 ويناير 2011.
كما أن أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية ما تزال متماسكة، ولا توجد مؤشرات موثوقة على انقسام داخلها أو على فرار الرئيس.
ولا تزال المعارضة مشتتة، وتفتقر إلى قيادة موحدة وبرنامج مشترك.
ويخشى جزء من التونسيين عودة الفوضى أو الإسلاميين أو انهيار مؤسسات الدولة، وهو ما يمنح قيس سعيّد هامشًا من التأييد أو الحياد السلبي.
لكن الوضع يحمل عناصر قابلة للتحول إلى انتفاضة أوسع:
• اتساع الأزمة الاجتماعية.
• فقدان السلطة للقدرة على إلقاء المسؤولية على الآخرين.
• تراجع الخوف بعد سنوات من القمع.
• اجتماع المطالب الاقتصادية مع المطالب السياسية.
• احتمال دخول الاتحاد العام للشغل بقوة.
• وانتقال الاحتجاج من العاصمة والنخب إلى المناطق الداخلية والطبقات الشعبية.
وبذلك لا يمكن القول إن الثورة بدأت، لكن يمكن القول إن الشروط التي تمنعها لم تعد قوية كما كانت.
الجزائر: الحليف والوصي غير المعلن
اعتمد قيس سعيّد بصورة متزايدة على علاقته بالجزائر.
وتنظر الجزائر إلى استقرار تونس باعتباره مسألة أمن قومي، بسبب الحدود المشتركة، وخطر الجماعات المسلحة، والهجرة، والتنافس الإقليمي في المغرب العربي.
وقد قدمت لتونس دعمًا ماليًا وطاقيًا وسياسيًا، وسعت إلى منع انهيار النظام أو دخوله في تحالفات ترى فيها تهديدًا لمصالحها.
لكن هذا الدعم يضع تونس أمام مفارقة.
فالرئيس يرفع خطاب السيادة الوطنية ورفض الإملاءات الخارجية، بينما يعتمد بصورة متزايدة على دعم نظام عسكري ديكتاتوري مجاور صاحب مصالح سياسية وأمنية واضحة.
ولا يعني ذلك أن الجزائر تتحكم كليًا في تونس، لكنها تملك نفوذًا يتزايد كلما ضاقت بدائل تونس المالية والدبلوماسية.
وفي حال اتساع الاحتجاجات، يرجح أن تدعم الجزائر استقرار مؤسسات الدولة، لا تغيير النظام عبر الشارع، خشية انتقال العدوى إليها أو ظهور سلطة تونسية أقل انسجامًا مع مصالحها.
الاتحاد الأوروبي: الاستقرار قبل الديمقراطية
أما الاتحاد الأوروبي، فقد وجد نفسه أمام معادلة مختلفة.
فهو ينتقد تراجع الحريات والاعتقالات، لكنه يحتاج إلى تونس في ملف الهجرة ومنع القوارب من الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر إيطايا.
ولهذا تغلب البراغماتية في كثير من الأحيان على الخطاب الديمقراطي.
فالدول الأوروبية، وخصوصًا إيطاليا، تخشى أن يؤدي انهيار تونس إلى موجة هجرة واسعة، ولذلك تفضل نظامًا مستقرًا، حتى لو كان سلطويًا، على انتقال سياسي غير مضمون.
وقد منح هذا التناقض قيس سعيّد مساحة للمناورة؛ فهو يتهم الغرب بالتدخل، لكنه يحصل في الوقت نفسه على تعاون وتمويل مرتبطين بالهجرة والاستقرار.
غير أن اعتماد النظام على الدعم الأوروبي والجزائري يضعف صدقية خطابه السيادي، ويكشف أن العزلة السياسية لا تعني الاستقلال الاقتصادي.
النتائج المحتملة
السيناريو الأول: الاحتواء الأمني
قد تنجح السلطة في احتواء الاحتجاجات من خلال الانتشار الأمني، والاعتقالات، والتضييق على التظاهر والإعلام.
ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا بقيت التحركات محدودة في العاصمة، وظلت المعارضة منقسمة، ولم ينخرط الاتحاد العام للشغل بصورة حاسمة.
وفي هذه الحالة، يستمر قيس سعيّد في الحكم، لكن الأزمة لا تحل؛ بل تؤجل.
فالاحتواء الأمني يمنع سقوط النظام، لكنه لا يخلق النمو ولا الوظائف ولا الماء ولا الكهرباء.
وسيصبح كل ارتفاع في الأسعار أو نقص في المواد أو انهيار في الخدمات فرصة لانفجار جديد.
السيناريو الثاني: تنازلات محدودة
قد يلجأ الرئيس إلى تغيير الحكومة، أو إقالة بعض المسؤولين، أو إطلاق سراح عدد محدود من المعتقلين، أو فتح حوار اجتماعي جزئي.
ويتيح هذا السيناريو امتصاص الغضب من دون تغيير جوهر النظام الرئاسي.
لكن نجاحه يتطلب أن تكون التنازلات ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، لا مجرد تعديلات شكلية.
فالمواطن الذي يعاني البطالة والغلاء لن يكتفي بتغيير وزير أو والي إذا بقيت حياته على حالها.
السيناريو الثالث: تسوية وطنية
يمكن أن تدفع الأزمة نحو حوار وطني جديد تشارك فيه الرئاسة والاتحاد العام للشغل والأحزاب والمنظمات المدنية.
وقد يتضمن الحوار إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وضمان استقلال القضاء، وتعديل بعض جوانب النظام الدستوري، والاتفاق على برنامج اقتصادي واجتماعي.
لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبة أساسية: قيس سعيّد بنى شرعيته على رفض الأحزاب والحوارات التقليدية، والاعتراف بها شريكة سيعني التراجع عن جزء من مشروعه.
كما أن المعارضة نفسها تحتاج إلى تجاوز صراعاتها وتقديم برنامج يتجاوز مجرد إسقاط الرئيس.
السيناريو الرابع: انتفاضة واسعة
قد تتحول الاحتجاجات إلى انتفاضة وطنية إذا انتقلت إلى المحافظات الداخلية، وانضم إليها العمال والطلبة والموظفون، ودخل الاتحاد العام للشغل في إضراب عام، وفقدت السلطة القدرة على تأمين الخدمات.
لكن هذا السيناريو لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال ديمقراطي منظم.
فغياب قيادة موحدة ومؤسسات قوية قد يفتح الباب أمام الفراغ والفوضى والصراع بين التيارات السياسية والتدخلات الخارجية.
والدرس الذي تعلمه التونسيون من 2011 هو أن إسقاط الرئيس أسهل من بناء الدولة بعده.
السيناريو الخامس: انتقال من داخل النظام
قد تتدخل مؤسسات الدولة أو النخبة المحيطة بالرئيس للبحث عن مخرج يحفظ النظام ويستبدل رأسه أو يقلص سلطاته.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على هذا الاتجاه، لكنه يصبح ممكنًا إذا تحولت كلفة بقاء الرئيس إلى عبء على الجيش والأمن والإدارة والحلفاء الخارجيين.
وفي هذه الحالة قد يجري الانتقال عبر ترتيبات دستورية أو صحية أو سياسية، بدل سقوط النظام في الشارع.
ما الذي يمكن أن ينقذ تونس؟
لا تحتاج تونس إلى العودة البسيطة إلى ما قبل 25 يوليوز 2021.
فالنظام السابق فشل في تحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية، والأحزاب فقدت ثقة واسعة بسبب صراعاتها وانشغالها بالمناصب.
كما أن استمرار الحكم الفردي لا يقدم حلًا؛ لأنه ألغى الرقابة والوساطة من دون بناء جهاز دولة أكثر كفاءة.
المخرج الحقيقي يحتاج إلى صيغة ثالثة:
1. رئاسة قوية لكنها خاضعة للدستور.
2. حكومة مسؤولة أمام البرلمان.
3. قضاء مستقل.
4. أحزاب تعيد بناء نفسها على البرامج لا الهويات وحدها.
5. اتحاد شغل يحمي الحقوق من دون تعطيل الإصلاح.
6. وإصلاح اقتصادي يوزع كلفته بعدل، ويحمي الفئات الفقيرة، ويستعيد الاستثمار والثقة.
7. كما تحتاج تونس إلى مصالحة سياسية تستبعد العنف والإقصاء، وتحاسب الفساد وفق القضاء لا وفق الولاء السياسي.
الخلاصة
إن ما يجري في تونس ليس مجرد عودة للشارع، بل عودة للسؤال الذي حاول قيس سعيّد حسمه سنة 2021:
هل يمكن إنقاذ الدولة بإلغاء السياسة؟
كانت إجابته أن الأحزاب والبرلمان والوسائط هي أصل العجز، وأن تركيز السلطة سيفتح الطريق أمام الإرادة الشعبية.
لكن خمس سنوات من الحكم أظهرت أن الدولة لا تصبح قوية لمجرد أن الرئيس يصبح أقوى.
فالسلطة من دون مؤسسات تتحول إلى عزلة.
والقرار من دون إدارة يتحول إلى خطاب.
والقمع من دون إنجاز يؤجل الغضب ولا يلغيه.
لم يعد قيس سعيّد اليوم رئيسًا يحتج على المنظومة؛ لقد أصبح هو المنظومة.
ولذلك فإن كل انقطاع في الماء أو الكهرباء، وكل زيادة في الأسعار، وكل شاب عاطل، وكل معتقل سياسي، يتحول إلى جزء من محاكمة سياسية مباشرة لحكمه.
تونس ليست بعد أمام ثورة ثانية مكتملة، لكنها دخلت مرحلة لم يعد فيها الحكم الفردي قادرًا على تقديم نفسه باعتباره الحل.
والسؤال لم يعد ما إذا كانت الأحزاب القديمة قد فشلت؛ فهذا أمر يعرفه التونسيون جيدًا.
السؤال هو ما إذا كان الشعب سيقبل بأن يكون بديل الديمقراطية الفاشلة سلطة فردية فاشلة أيضًا.
فالثورة الأولى أسقطت رئيسًا ولم تصلح الدولة.
أما الامتحان التونسي الجديد، فهو كيف تُصلح الدولة من دون أن تسقط مجددًا في الاستبداد أو الفوضى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق