مباراة الطب في قفص الاتهام

 

حين لا يكفي التفوق الدراسي، ويصبح مستقبل الشباب رهين مباراة تحاصرها الشبهات


انتقاء للكفاءة أم بوابة لإعادة إنتاج الامتياز؟

لم يعد النجاح في الباكالوريا، ولو بمعدل مرتفع، ضمانة لولوج التعليم العالي المتخصص في المغرب. فقد ينهي التلميذ سنوات دراسته بمعدل يفوق 18 من عشرين، ويصنف ضمن المتفوقين في مؤسسته أو جهته، ثم يجد نفسه خارج كليات الطب أو الهندسة أو المدارس العليا، بسبب مباراة إقصائية تختزل مساره الدراسي كله في اختبار لا يستغرق سوى ساعات قليلة.../...


ولا تكمن المشكلة، من حيث المبدأ، في وجود الانتقاء. فالتخصصات الطبية تتطلب تكوينًا علميًا دقيقًا، وكليات مجهزة، وأساتذة مؤهلين، ومستشفيات جامعية، ومواقع كافية للتدريب السريري. ولا تستطيع الجامعة استقبال أعداد غير محدودة من الطلبة من دون أن تنعكس الزيادة غير المدروسة على جودة التكوين وسلامة الممارسة الطبية لاحقًا.


لكن الانتقاء يفقد مشروعيته عندما تغيب الشفافية، ويعجز المترشح عن الاطلاع على ورقته ونقطته التفصيلية وترتيبه، ثم تظهر ادعاءات عن تسريب الأجوبة وبيعها بمقابل مالي.


وهذا ما أعادت إليه مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان برسم الموسم الجامعي 2026-2027 الانتباه، بعد تداول تسجيل سمعي بصري يدعي تمكين بعض المترشحين من أجوبة المباراة أثناء اجتيازها، وفتح بحث قضائي عهدت به النيابة العامة إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.


وحتى صدور نتائج التحقيق، تظل الوقائع المتداولة ادعاءات وشبهات لم تثبت قضائيًا. غير أن خطورة القضية لا تتوقف عند إثبات التسجيل أو نفيه، لأنها أعادت إلى الواجهة سؤال الثقة في المباريات التي تحدد مستقبل الشباب. كما دفعت آلاف المواطنين والمترشحين والأسر إلى توقيع عريضة تطالب بتحقيق مستقل في ظروف المباراة ونتائجها.


والقضية تعيد إلى الذاكرة الجدل الذي رافق مباراة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة، وما أثير حول نتائجها من اتهامات بالمحاباة والزبونية واستفادة أبناء عائلات تنتمي إلى أوساط مهنية وسياسية.


وبصرف النظر عن اختلاف الملفين، فإن تكرار الشبهات حول المباريات التي تفتح أبواب المهن العليا يطرح السؤال نفسه:


هل تظل مباريات الاستحقاق وسيلة لاختيار الأكفأ، أم تتحول، في غياب الشفافية والرقابة، إلى آلية لإعادة إنتاج الامتياز الاجتماعي؟



حين لا يكفي معدل 18 من عشرين

لا يعني حصول الطالب على معدل يفوق 18 من عشرين في الباكالوريا أنه يجب أن يقبل تلقائيًا في كلية الطب.


فمعدل الباكالوريا دليل قوي على التفوق الدراسي والانضباط والقدرة على التحصيل، لكنه لا يقيس وحده جميع المؤهلات اللازمة لممارسة الطب، مثل الاستدلال العلمي، والقدرة على التحليل، والتواصل مع المرضى، وتحمل الضغط، والاستعداد النفسي والأخلاقي لدراسة طويلة ومهنة شاقة.


لكن ذلك لا يبرر إهدار المسار الدراسي السابق كله، أو جعله عديم القيمة أمام اختبار وحيد.


فالطالب الذي حقق نتائج مرتفعة طوال سنوات لا ينبغي أن يرى مستقبله ينهار بسبب مباراة لا يعرف بعد انتهائها سوى أنه «لم ينجح»، من دون أن يتمكن من الاطلاع على ورقته أو معرفة نقطته الدقيقة أو موقعه في الترتيب أو الاعتراض على نتيجة يعتقد أنها لا تعكس أداءه.


وتزداد خطورة الأمر عندما تتعلق المباراة بأسئلة ذات أجوبة محددة يمكن تسريبها أو تداولها رقميًا. ففي هذه الحالة، قد يمنح تسريب محدود أفضلية حاسمة لمجموعة صغيرة، ويقلب ترتيب آلاف المترشحين الذين اجتازوا الامتحان بصورة نزيهة.


ولذلك لا تكمن المشكلة في أن مباراة الطب قد تنتج ترتيبًا مختلفًا عن ترتيب معدلات الباكالوريا؛ فهذا أمر ممكن أكاديميًا. إنما تكمن في غياب الوسائل التي تسمح للمترشح والمجتمع بالتأكد من أن ذلك الاختلاف ناتج عن الأداء الحقيقي، لا عن تسريب أو غش أو تدخل.



من مباراة المحاماة إلى مباراة الطب

حين تتكرر الشبهات في مباريات الولوج إلى المهن العليا، لا تعود المسألة أخطاء منفصلة يمكن احتواؤها بتحقيق ظرفي.


إنها تتحول إلى أزمة ثقة في منظومة الارتقاء الاجتماعي كلها.


فالدولة تقول للشباب إن المدرسة والاجتهاد والتفوق هي طريقهم إلى المستقبل. لكن الطالب حين يصل إلى أبواب الجامعة أو المهنة ويجدها محاطة بشبهات التسريب والمحسوبية، يستنتج أن سنوات العمل قد تكون أقل تأثيرًا من المال أو النفوذ أو العلاقة.


والضرر هنا لا يقتصر على مترشح ربما حرم من مقعد كان يستحقه، بل يمتد إلى صورة الدولة الحديثة نفسها.


فمن أهم وظائف الدولة أن تضمن للمواطن أن موقعه الدراسي والمهني لا تحدده ولادته أو طبقته أو علاقاته أو ما يمكن أن يدفعه من مال، وإنما قدرته واجتهاده.


وعندما يفقد الشباب الثقة في هذه القاعدة، يصبح الغش في وعيهم وسيلة دفاع، والهجرة وسيلة خلاص، والجامعة الخاصة ملاذًا لمن يملك المال، واليأس مصيرًا لمن لا يملكه.



كيف تلج الدول الأخرى إلى دراسة الطب؟

لا توجد دولة تفتح دراسة الطب لجميع الحاصلين على شهادة الثانوية من دون انتقاء. فالطب من أكثر التخصصات تنافسًا وكلفة، وتفرض معظم الدول شروطًا مرتفعة للولوج إليه.


لكن المقارنة تكشف أن المشكلة ليست في وجود الانتقاء، بل في طريقته ودرجة شفافيته، وفي مدى اعتماده على المسار الدراسي بدل اختزال مصير الطالب في اختبار وحيد.


إسبانيا: الباكالوريا واختبار الولوج العام

في إسبانيا، لا يجتاز المترشح، في الأصل، مباراة خاصة مستقلة تنظمها كلية الطب. بل يحتسب القبول الجامعي على أساس نقطة مركبة تجمع بين معدل الباكالوريا ونتيجة الاختبار العام للولوج إلى الجامعة.


وتحتسب نقطة الولوج الأساسية بنسبة 60 في المائة من معدل الباكالوريا و40 في المائة من نتيجة اختبار الجامعة، مع إمكان إضافة نقاط مواد اختيارية مرتبطة بالتخصص المطلوب. ثم توزع مقاعد الطب بحسب الترتيب وعتبة القبول في كل جامعة.


ولا يعني ذلك أن الولوج إلى الطب في إسبانيا سهل؛ فعتباته من الأعلى في التعليم الجامعي. لكن الطالب يعرف سلفًا كيفية احتساب نقطته، ويعرف قيمة كل عنصر في ملفه، ويمكنه الاطلاع على معايير التصحيح والطعن في نتيجته.


أي إن المسار الدراسي لا يُلغى، بل يحتفظ بوزنه الأساسي إلى جانب اختبار عمومي موحد.


فرنسا: الانتقاء بعد دخول الجامعة

في فرنسا، يلتحق الطالب بمسار جامعي يتيح الولوج إلى الدراسات الصحية، مثل PASS أو  LAS، ثم يجري الانتقاء بناءً على النتائج التي يحققها خلال الدراسة الجامعية نفسها.


ويملك الطالب، من حيث المبدأ، فرصتين للترشح إلى الدراسات الصحية خلال مساره الجامعي، كما تعتمد عملية الاختيار بدرجة مهمة على النقط المحصل عليها في السنة الجامعية، لا على مباراة منفردة تجري مباشرة بعد الثانوية.


وهكذا يجري تقييم الطالب بعد أن درس مقررات صحية وعلمية داخل الجامعة، ويمكن لمن لم يقبل في الطب مواصلة مساره في تخصص جامعي آخر بدل أن تضيع عليه سنة كاملة.


ألمانيا: مسار مدرسي واختبارات كفاءة وحصص معلنة

في ألمانيا، تنظم طلبات الولوج إلى الطب عبر منصة مركزية. ويخصص جزء من المقاعد لأصحاب أفضل نتائج شهادة الثانوية الألمانية، بينما توزع مقاعد أخرى وفق معايير الجامعات واختبارات الاستعداد للدراسة الطبية والخبرة أو التكوين السابق في بعض المهن الصحية.


فالانتقاء شديد، لكنه يقوم على حصص ومعايير معلنة ومتعددة، ولا يعتمد على اختبار واحد يلغي بقية عناصر المسار. وتعرض المنصة المركزية نفسها قواعد القبول والمعايير والآجال والنتائج.


كما تعرف بعض الولايات الألمانية صيغًا تخصص مقاعد لمن يلتزمون بالعمل لاحقًا أطباء في المناطق القروية أو التي تعاني نقصًا في الخدمات الصحية.


الولايات المتحدة: الطب بعد شهادة جامعية

أما في الولايات المتحدة، فالمقارنة مختلفة؛ لأن الطالب لا يلتحق بكلية الطب مباشرة بعد الثانوية في المسار المعتاد.


يتعين عليه أولًا إتمام شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، وإنجاز متطلبات علمية محددة، ثم تقديم ملف يضم المعدل الجامعي ونتيجة اختبار MCAT والخبرات ورسائل التوصية والمقابلات.


وتشترط كليات الطب الأمريكية عادة إكمال شهادة جامعية، بينما تستخدم نتيجة MCAT لتقييم القدرة على توظيف المعارف العلمية والتفكير النقدي وحل المشكلات.


إذن لا تعتمد الولايات المتحدة على شهادة الثانوية وحدها، لكنها لا تختزل قبول الطالب في اختبار واحد بعد انتهائه منها، بل تقيم مسارًا جامعيًا كاملًا وملفًا متعدد العناصر.



ما الذي تكشفه المقارنة؟

تكشف هذه النماذج أن الانتقاء الطبي موجود في كل مكان تقريبًا، لكن الدول تختلف في أدواته.


فبعضها يجمع بين معدل الثانوية وامتحان جامعي عام، وبعضها يؤجل الانتقاء إلى ما بعد سنة جامعية، وبعضها يجمع بين المسار المدرسي واختبارات الكفاءة والخبرة، وبعضها لا يسمح بدراسة الطب إلا بعد شهادة جامعية كاملة.


أما النموذج المغربي، فيمنح مباراة واحدة وزنًا حاسمًا قد يطيح بمسار طالب متفوق، من دون أن يوفر دائمًا مستوى كافيًا من الشفافية الفردية والرقابة العامة.


ومن هنا لا ينبغي أن يكون الإصلاح هو فتح كليات الطب آليًا لكل حاصل على معدل مرتفع، ولا الإبقاء على المباراة بصيغتها الحالية، بل إنشاء نظام قبول مركب يمنح المسار الدراسي وزنه، ويحتفظ باختبار للكفاءة، ويضمن الشفافية والطعن والتدقيق.



المغرب لا يعاني فائضًا في الأطباء

قد يقال إن عدد المقاعد محدود لأن الدولة لا تستطيع توظيف جميع الخريجين.


لكن هذه الحجة تخلط بين عدد الوظائف العمومية وحاجة المجتمع إلى الأطباء.


فالطب ليس مهنة حكومية حصرًا. يستطيع الطبيب العمل في المستشفى العمومي أو المؤسسة الصحية الخاصة، أو ضمن عيادة فردية أو جماعية، أو في مركز صحي تعاقدي، أو في خدمات الطب عن بعد، أو في المناطق القروية التي تعاني خصاصًا كبيرًا.


والواقع أن المغرب لا يعاني فائضًا في الأطباء، بل يعاني نقصًا وطنيًا وسوء توزيع مجاليًا في الوقت نفسه.


وتفيد أحدث البيانات الدولية القابلة للمقارنة بأن المغرب كان يتوفر سنة 2021 على نحو 0.7 طبيب لكل ألف نسمة، أي قرابة سبعة أطباء لكل عشرة آلاف نسمة. وفي المقابل، بلغ المعدل نحو 4.3 أطباء لكل ألف في إسبانيا، و3.6 في بلجيكا، و3.9 في هولندا، بينما بلغ متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 3.4 أطباء لكل ألف نسمة.


وينبغي هنا تصحيح اعتقاد شائع: منظمة الصحة العالمية لا تضع رقمًا عالميًا ثابتًا لعدد الأطباء وحدهم يجب على جميع الدول بلوغه، لأن الحاجة تختلف بحسب أعمار السكان، وانتشار الأمراض، وتنظيم النظام الصحي، وتوزيع المهام بين الأطباء والممرضين وبقية المهنيين.


لكن المنظمة تعتمد كثافة الأطباء مؤشرًا أساسيًا لقياس قوة الموارد البشرية الصحية، وتوضح أن البيانات قد تشمل، بحسب النظام الإحصائي لكل دولة، الأطباء الممارسين فعليًا أو مجموع المسجلين.


وبصرف النظر عن النقاش حول العتبة المعيارية، فإن الفارق بين المغرب والدول الأوروبية واضح بما يكفي لإثبات أن المملكة لا تواجه فائضًا طبيًا يبرر التضييق الشديد في التكوين.



الخصاص الوطني يخفي تفاوتًا ترابيًا أشد

المعدل الوطني نفسه لا يكشف حجم المشكلة كاملة.

فالطبيب لا يتوزع بالتساوي بين جميع المواطنين. إذ تتركز أعداد كبيرة من الأطباء والاختصاصيين والعيادات والمصحات في الدار البيضاء والرباط والمدن الكبرى والمناطق الساحلية، بينما تعاني جماعات قروية ومناطق جبلية وصحراوية نقصًا حادًا، وقد تضطر أسرة إلى قطع عشرات الكيلومترات من أجل فحص أساسي.


ولهذا قد يبدو المعدل الوطني سبعة أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، بينما يكون نصيب بعض المناطق أقل بكثير، خصوصًا إذا احتسبنا الطبيب الموجود فعليًا والمتاح للمريض، لا الطبيب المسجل إداريًا فقط.


كما أن شيخوخة السكان ستزيد الطلب على الخدمات الصحية. فقد بلغ عدد الأشخاص البالغين ستين سنة فأكثر نحو خمسة ملايين سنة 2024، بعد أن كان في حدود 3.2 ملايين سنة 2014، وهو تحول يرفع الحاجة إلى علاج الأمراض المزمنة والمتابعة المستمرة والرعاية طويلة الأمد.


فكيف يمكن، في بلد يتجه سكانه إلى الشيخوخة ويعاني تفاوتًا مجاليًا واسعًا، أن تظل زيادة عدد طلبة الطب محكومة فقط بعدد مناصب التوظيف التي تفتحها الإدارة؟



600 إلى 700 طبيب يغادرون سنويًا

تزداد المفارقة وضوحًا حين نضع بجانب الإقصاء عند باب كلية الطب ظاهرة هجرة الأطباء بعد تخرجهم.


فقد تحدث مسؤولون مغاربة خلال السنوات الأخيرة عن مغادرة نحو 600 طبيب سنويًا، بينما ترفع تقديرات مهنية أخرى الرقم إلى ما بين 600 و700 طبيب. ولا تتعلق أسباب المغادرة بالأجور وحدها، بل تشمل ظروف العمل، والولوج إلى التخصص، والضغط المهني، وجودة التجهيزات، وفرص التكوين والتقدم المهني والبحث العلمي.


وهكذا يتحمل المغرب كلفة تكوين الطبيب لسنوات، ثم يقدمه بعد التخرج لأنظمة صحية أجنبية، بينما يقصي في البداية آلاف المتفوقين بدعوى محدودية المقاعد والطاقات التكوينية.


ولا يمكن معالجة هذه المفارقة بمجرد زيادة أعداد المقبولين. فإذا وسعت الدولة المقاعد من دون إنشاء كليات ومستشفيات جامعية جديدة، وتوظيف الأساتذة، وتوفير التدريب السريري، فقد ينتقل الاختناق من مباراة الدخول إلى ضعف التكوين.


لكن ذلك لا يبرر استمرار الندرة، بل يفرض توسيع القدرة التكوينية بالتوازي مع إصلاح ظروف العمل والاحتفاظ بالأطباء داخل البلاد.



القطاع الخاص ليس بديلًا عادلًا

حين يفشل الطالب المتفوق في المباراة العمومية، يبقى أمام أسرته، إن كانت ميسورة، خيار التعليم الطبي الخاص برسوم جد مرتفعة تمتد سنوات.


أما الطالب المنتمي إلى أسرة محدودة الدخل، فلا يملك غالبًا فرصة ثانية مماثلة.


ولا يعني ذلك أن كل طالب في القطاع الخاص أقل كفاءة، أو أن التعليم الطبي الخاص غير مشروع. لكن وجود طريق يمكن فتحه بالمال لمن أغلق أمامه الطريق العمومي يخلق تفاوتًا بنيويًا في الفرص.


فالطالبان قد يحصلان على المعدل نفسه في الباكالوريا ويفشلان في المباراة نفسها، لكن أحدهما يواصل دراسة الطب لأن أسرته تستطيع دفع الرسوم، بينما يتخلى الآخر عن حلمه نهائيًا.


وعندما تقترن هذه الثنائية بادعاءات عن إمكان بيع الأجوبة داخل المباراة العمومية، يصبح المشهد أكثر قسوة:


  • باب عمومي ضيق تحاصره الشبهات.
  • وباب خاص واسع نسبيًا، لكنه لا يفتح إلا لمن يملك المال.


وهكذا تتحول دراسة الطب من فرصة للمتفوق إلى امتياز طبقي، حتى إن ظلت شروط النجاح والتخرج واحدة بعد الولوج.



لماذا لا توسع الدولة التكوين؟

توسيع عدد طلبة الطب ليس قرارًا حسابيًا بسيطًا؛ إذ يحتاج إلى استثمار كبير في الأساتذة والمختبرات والمستشفيات الجامعية والتدريب.


لكن هذه الكلفة ينبغي أن تقارن بكلفة الخصاص الصحي نفسه:


  • مرضى لا يجدون طبيبًا.
  • مستشفيات مكتظة.
  • مناطق قروية محرومة.
  • أطباء ينهكون بسبب ضغط العمل.
  • وموارد بشرية تكونها الدولة ثم تستفيد منها دول أخرى.


كما أن توسيع التكوين لا يعني أن تتحمل الدولة وحدها توظيف جميع الخريجين. فالقطاع الخاص يستطيع استيعاب جزء منهم، ويمكن تطوير صيغ للتعاقد المحلي، والعيادات الجماعية، والشراكات مع الجماعات الترابية، والمراكز الصحية ذات التدبير المستقل، والطب عن بعد.


لكن السوق وحدها لن توزع الأطباء بعدل، لأنها ستدفعهم طبيعيًا نحو المدن والمناطق ذات القدرة الشرائية المرتفعة.


ومن هنا تظهر الحاجة إلى تدخل الدولة لضمان التوزيع الترابي.



خدمة صحية بالمناطق التي تعاني الخصاص

يمكن للدولة، مقابل توسيع مقاعد دراسة الطب وتحمل المجتمع كلفة مهمة من تكوين الأطباء في الجامعات العمومية، أن تعتمد نظامًا منظمًا للخدمة الصحية لمدة محددة في المناطق التي تعاني الخصاص.


ولا ينبغي أن تقدم هذه الخدمة باعتبارها عقوبة للطبيب أو عملًا مجانيًا، بل باعتبارها مرحلة مهنية مؤدى عنها ضمن عقد واضح.


فيجب أن توفر للطبيب:


  • أجرًا عادلًا.
  • وسكنًا مناسبًا أو تعويضًا عنه.
  • وتغطية صحية وتأمينًا مهنيًا.
  • وتجهيزات تسمح له بممارسة الطب بصورة آمنة.
  • وحوافز مرتبطة بالتخصص والترقية والأقدمية.
  • وإمكان الانتقال بعد إتمام المدة المتفق عليها.


ويمكن ربط الخدمة، وفق صياغة قانونية متوازنة، بالترخيص النهائي للممارسة المستقلة أو بامتيازات مهنية وتكوينية قوية، مع احترام الحقوق المكتسبة وحرية العمل والتناسب بين التزام الطبيب والتزام الدولة.


فليس من العدل أن يُرسل الطبيب إلى منطقة نائية تفتقر إلى الأجهزة والأدوية والسكن والحماية، ثم يُلام على رفضه الاستقرار فيها.


نجاح الخدمة القروية لا يتحقق بالإكراه وحده، بل بجعلها مرحلة مهنية جذابة تتيح للطبيب اكتساب الخبرة، والحصول على أولوية في التخصص، والاستفادة من تعويضات وأقدمية مضاعفة أو حوافز ضريبية وتمويلية بعد انتهائها.


وبذلك تتحول زيادة عدد الخريجين من عبء مفترض على الدولة إلى أداة لتصحيح الخريطة الصحية.



الغش في الطب خطر على المريض أيضًا

الغش في مباراة الطب لا يظلم الطالب المستحق فقط.


إنه قد يسمح بدخول شخص غير مؤهل إلى مسار ينتهي بوضع صحة المرضى وحياتهم بين يديه.


ومن يحصل على مقعد بالغش يتعلم منذ البداية أن النظام يمكن اختراقه، وأن النجاح لا يرتبط بالضرورة بالكفاءة والانضباط.


ولا يعني ذلك أن من يغش في مباراة الولوج سيصبح حتمًا طبيبًا سيئًا؛ فسنوات الدراسة والامتحانات قد تكشف ضعفه أو تغير سلوكه. لكن قبول الغش عند البوابة يضرب القاعدة الأخلاقية التي يفترض أن تقوم عليها المهنة.


فالطبيب لا يتعامل مع ملف إداري يمكن تصحيح خطئه لاحقًا، بل مع أجساد بشرية وقرارات قد تكون آثارها غير قابلة للإصلاح.


ومن ثم، فإن نزاهة مباراة الطب قضية صحية بقدر ما هي قضية تعليمية وقضائية.



ما الذي ينبغي أن يشمله التحقيق؟

لا ينبغي أن يقتصر البحث على معرفة هوية صاحب التسجيل أو التحقق من صحة المحادثات المتداولة.


ينبغي أن يشمل سلسلة إعداد المباراة وتنظيمها كاملة:


من أعد الأسئلة؟

ومن اطلع عليها قبل موعد الامتحان؟

وكيف حفظ بنك الأسئلة وطبع ونقل إلى المراكز؟

ومن امتلك وسائل الاتصال داخل قاعات الاختبار؟

وهل تتطابق الأسماء أو الأرقام الواردة في التسجيل مع مترشحين ناجحين؟

وهل توجد تحويلات مالية أو اتصالات تثبت وجود شبكة منظمة؟


كما ينبغي إجراء افتحاص رقمي وإحصائي لأوراق الإجابة.


فالتسريب المنظم قد يترك مؤشرات مثل التطابق غير العادي في أجوبة مجموعة من المترشحين، أو اشتراكهم في الأخطاء النادرة نفسها، أو تسجيل نتائج استثنائية داخل مركز أو قاعة محددة، أو ظهور فروق يصعب تفسيرها بين أداء المترشح في المباراة ومساره الدراسي.


وإذا ثبت وجود تسريب، فلا ينبغي أن تتوقف المسؤولية عند المستفيدين المباشرين أو الوسيط، بل يجب تحديد المسؤولية الإدارية عن الثغرات التي سمحت بالوصول إلى الأسئلة أو التواصل أثناء الامتحان.


أما إذا أثبت التحقيق عدم صحة الادعاءات، فيجب نشر ما يكفي من نتائجه ومنهجية البحث لإعادة الثقة، بدل الاكتفاء ببلاغ مقتضب يطلب من المجتمع التصديق من دون أدلة.



التحقيق القضائي لا يعفي الوزارة

البحث القضائي ضروري لتحديد المسؤوليات الجنائية، لكنه لا يعفي وزارة التعليم العالي من المسؤولية الإدارية والسياسية.


فالوزارة مطالبة بتفسير نظام إعداد الامتحان وتأمينه وتصحيحه وإعلان نتائجه، وتقديم إجابات واضحة عن إمكان اطلاع المترشحين على نقطهم وأوراقهم ومساطر الطعن.


كما أن القول بانتظار نتائج التحقيق لا يكفي إذا كانت المباراة نفسها تفتقر إلى ضمانات دائمة تمنع تكرار الشبهات.


فنزاهة الامتحان لا ينبغي أن تقوم على الثقة في الأشخاص فقط، بل على نظام يجعل التسريب صعبًا، ويجعل اكتشافه ممكنًا، ويضمن تتبع كل شخص اطلع على الأسئلة، ويمنح كل مترشح وسيلة للتحقق من نتيجته.



من المباراة الإقصائية إلى نظام قبول مركب

لا يكمن الحل في إلغاء كل أشكال الانتقاء، ولا في جعل معدل الباكالوريا وحده معيارًا نهائيًا، لأن تفاوت المؤسسات والجهات وطرق التقويم قد يجعل المقارنة المباشرة بين المعدلات غير كافية.


لكن الحل ليس أيضًا في الإبقاء على مباراة واحدة بصيغتها الحالية.


والبديل الأكثر عدلًا هو بناء نظام قبول مركب يقوم على عناصر متعددة، منها:


منح معدل الباكالوريا وزنًا أساسيًا في قرار القبول.

تنظيم اختبار وطني معلن المعايير يركز على الاستدلال العلمي والتحليل، لا على الحفظ أو الأسئلة القابلة للتسريب وحدها.

نشر الأجوبة وشبكة التصحيح مباشرة بعد الامتحان.

تمكين كل مترشح من الاطلاع إلكترونيًا على ورقته ونقطته التفصيلية وترتيبه.

إقرار مسطرة واضحة وسريعة للتظلم والطعن.

إجراء الاختبار على أكثر من دورة، أو منح الطالب فرصة ثانية بدل حسم مستقبله في يوم واحد.

تخصيص نسبة من المقاعد لأصحاب أعلى المعدلات الوطنية والجهوية، مع مراعاة الإنصاف بين المؤسسات والمجالات.

دراسة اعتماد سنة جامعية أولى مشتركة، ثم الانتقاء بناءً على تقييم مستمر داخل الجامعة، مع تمكين غير المقبولين في الطب من مواصلة تخصصات أخرى.

وإخضاع إعداد الأسئلة والتصحيح والتدبير الرقمي لتدقيق مستقل ودوري.



الخلاصة: المدرسة أم سوق الامتياز؟

ليست المشكلة أن دراسة الطب تحتاج إلى الانتقاء؛ فالدول كلها تنتقي تقريبًا.


المشكلة أن المغرب جعل مستقبل آلاف المتفوقين رهين مباراة واحدة، في بيئة تتكرر فيها شبهات التسريب والمحسوبية، بينما لا يحصل المترشح على ما يكفي من المعلومات ليتأكد من أن إقصاءه كان نتيجة أدائه الحقيقي.


وفي الوقت نفسه، يعاني المغرب نقصًا واضحًا في عدد الأطباء، وتفاوتًا حادًا في توزيعهم، ويواجه ارتفاع الطلب الصحي وشيخوخة السكان، ثم يفقد كل سنة مئات الأطباء الذين ساهم المجتمع في تمويل تكوينهم.


أما من تقصيه المباراة وتستطيع أسرته دفع رسوم التعليم الخاص، فيجد طريقًا بديلًا. ومن لا يملك المال، ينتهي حلمه عند باب الامتحان.


وهكذا لا تعود القضية مجرد تسجيل متداول أو عريضة أو تحقيق قضائي، بل تصبح سؤالًا عن النموذج الاجتماعي الذي يبنيه المغرب:


هل تظل المدرسة وسيلة للارتقاء، أم تتحول إلى مرحلة أولى لا تفتح أبواب المستقبل إلا لمن ينجح في تجاوز شبكة المال والعلاقات؟


وهل تحمي المباراة جودة الطب فعلًا، أم تحمي ندرة مصطنعة لم تعد منسجمة مع خصاص البلاد الصحي؟


إن حماية جودة التكوين لا تكون بتقليص الفرص وحده، بل بتوسيع الجامعات والمستشفيات، وتأمين الامتحانات، وربط القبول بالمسار والكفاءة، وتوزيع الأطباء بعدل، وتحسين شروط بقائهم في المغرب.


وإذا ثبتت ادعاءات التسريب، فإن المطلوب لن يكون فقط معاقبة من باع الأجوبة أو اشتراها، بل مراجعة نظام سمح بأن يصبح مستقبل طالب متفوق سلعة قابلة للتفاوض.


أما إذا لم تثبت، فإن الدولة تظل مطالبة بإصلاح المباراة نفسها؛ لأن الثقة التي تنهار كلما انتشرت شبهة لا تستعاد بالإنكار وحده، وإنما بالشفافية.


فالطب ليس امتيازًا طبقيًا، ومقعد الجامعة ليس غنيمة، ومستقبل الشباب ليس سوقًا للسماسرة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق